الصفحة 50 من 76

إن انسياق غير عامل مع بعضه، وتوافر الميل النفسي لعبدالرحمن نحو العلم وكذلك الرغبة في زرعها في الأندلس، تكون قاعدة علمية للأندلس على النحو الذي أشرنا إليه، كان لا شك دافعا لعبدالرحمن ليحول مسار دولته من مسارها العسكري، وتوجيه دفتها إلى ما يتوافق مع قناعاته بأن دولته ماضية في طريق استقرارها. لقد أدت الدولة واجبها العسكري، وبفضل هذا الإنجاز أمكن توحيد الأندلس في دولة واحدة، بعد أن كانت تفتقر إليها منذ الفتح. ولكن برغم أهمية تلك الإنجازات، إلا أن الدولة المتكاملة الأركان في نظر عبدالرحمن كانت، وهو الذي أدرك دولة جده هشام بن عبدالملك وهو يافع مدرك، [1] [2] لا تكتمل حساباتها وصورتها في الإنجاز العسكري، والوحدة السياسية فحسب، فثمة ما يبقى ناقصا، لاسيما إذا قورن تكامل جوانب الدولة بما اختبره وشاهده في بلاط جده، إذ ليس هناك خلاف في أن الخلافة الأموية في عصر هشام بن عبدالملك كانت تعيش ذروة تكاملها الشامل؛ فهي كانت قد تجاوزت مراحلها العسكرية (ذروة الفتوحات) ، في عصر الوليد وسليمان ابني عبدالملك، ومن بعدهما. ومنذ أيام عمر بن عبدالعزيز، وأخيرا أيام هشام، كانت الخلافة تعايش إنجازاتها العمرانية والإدارية والفكرية.

(1) بعد مقتل أبيه معاوية بن هشام بن عبدالملك، تربى عبدالرحمن في كنف جده هشام، المقري، نفح الطيب، 3: 48، أيضا 1: 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت