الصفحة 51 من 76

هناك إذن احتمال بأن صورة تلك الهيئة المثالية لماهية ما ينبغي أن تكون عليه الدولة المتكاملة كانت راسخة في ذهن عبدالرحمن، وعليه وفي كل فرصة أتت إليه، أخذ يحدث ما يشابها في دولته الأندلسية؛ وكمثال لذلك نظم الإدارة في دولته، على غرار إدارة جده، بالاعتماد على الموالي الأندلسيين، أصحاب الخبرة العملية مع الأمويين في المشرق، أمثال أسر بني عبدة، والزجال، وشهيد؛ كما أنه بنى قصره في قرطبة، باسم الرصافة، على غرار قصر جده، في دمشق، وزاد عليه بإنشاء"الغوطة،"منتجع جده أيضا. وأخيرا، عمّر جامع قرطبة، على غرار الجامع الأموي، في دمشق. [1] [2] وإذا كان عبدالرحمن قد حلم بمحاكاة دولة جده، في كل ما اشتهرت به، فلماذا إذن لا يكون زرع العلم في دولته جانبا من جوانب تلك المحاكاة، وقد عُرف اهتمامه بهذا الجانب أصلا.

لقد أشرنا من قبل إلى أن عبدالرحمن لربما كان يدرك أن الوقت المتبقي له لن يسعفه لكي يحقق للأندلس جانبها المبتغى، وهو الجانب الفكري. ومع تجسم هذا الشعور عنده، بدأ عبدالرحمن يدرك، وقد عرف ميول هشام الفكرية، بأنه سوف يكون الأنسب، لكي يحقق للأندلس هذا الجانب الذي لم يتمكن هو نفسه أن يحققه لها. ومن الجائز هنا أن تفضيله لهشام يمكن إدراكه من هذا السبب، فهشام بدا بميوله وقدراته الفكرية وكأنه الأنسب والمتوافق مع خططه التي كان يأملها للأندلس من بعده؛ وعليه فإن ما تقصاه عبدالرحمن عن ابنيه ، أظهر أن هشاما هو الأقرب لسد ما نقص عن دولته مستقبلا.

(1) انظر: خليل إبراهيم المعيقل،"أثر الجامع الأموي بدمشق على عمارة المسجد الجامع في قرطبة،"الأندلس قرون من التقلبات والعطاءات (الرياض: مكتبة الملك عبدالعزيز، 1417هـ/1996م) ،3: 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت