الصفحة 52 من 76

لقد ارتبطت حياة هشام، من خلال ما روي عنه بهذا الخصوص، وعلى النقيض من سليمان، بعلاقات حميمة دائمة مع علماء الأندلس. وعلى الرغم من قلة ما هو متوافر للبحث من قرائن، إلا أن هذا القليل فيه الدلالة الكافية في هذا الشأن، يروي الخشني قائلا إن"هشام بن عبدالرحمن رحمه الله: لما أدرك وخرج من القصر إلى داره، وانتهى إليه زهد مصعب بن عمران وورعه، فاستجلبه إلى نفسه، واستخلصه، وجعله وزيره وسميره." [1] وكان الأحرى بسليمان أن يقرب إليه مصعب بن عمران؛ وذلك بسبب صلة القربى التي كانت بينه وبين هذا العالم، فأم سليمان، التي سبق لنا تعريفها بأنها كانت امرأة من بني حاطب بن بلتعة، كانت شقيقة أم مصعب. [2] [3]

فضلا عن الاحتمالات السابقة التي طرحت، كأسباب لنيل هشام أفضلية الترشيح من قبل أبيه، لخلافته في إمارة الدولة الأموية، في الأندلس، يورد المقري رأيا في سبب الترشيح يمكن ضمه إلى جملة الأسباب الآنفة، فعلى حسب قوله: إن عبدالرحمن كان يرى في هشام أنه الأصلح لتهدئة الأمور، والالتفات إلى مطالب الناس. [4] [5] وعلى الرغم من أن ما يذكره المقري لا يضيف جديدا لما نعرفه مسبقا عن أخلاقيات هشام، إلا أن القول إذا نظر إليه من منظور عبدالرحمن، فإنه لربما يحمل دلالة يمكن ضمها إلى الدلالات السابقة، في تفضيله لهشام. ففي مرحلة التوجه إليه، كان عبدالرحمن يرى في هشام صفة إضافية تتوافق مع نظرته الخاصة لدولته، ألا وهي القدرة على تأليف القلوب وتهدئة الأحوال. فالدولة في أيامها القادمة لم يكن ينتظر من رجالها، ولاسيما قادتها، المواجهة وخوض المعارك، بل كان ينتظر منهم الميل إلى السلم والاحتواء، فقد انقضت دولة السيف، وأقبلت دولة البناء، بمعنى رحل عصر التمزق، وحل بدله عصر التآلف والوحدة.

(1) الخشني، قضاة قرطبة، 14.

(2) المقري، نفح الطيب، 1: 338.

(4) لسان الدين بن الخطيب، أعمال الأعلام، 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت