فهرس الكتاب
لكن ومع الافتراض بصحة رواية كوندي، على أية حال، فإن هذا يعني، أن اللغة العربية قد اكتسبت بهذا القرار الجريء الرعاية الرسمية لنشرها في الأندلس على يد هشام. وعليه، فإنه يمكن اعتبار ذلك بداية للجهود الرامية لتعريب لسان أهل الأندلس جميعهم إلى الوجهة العربية - الإسلامية. إن أمرا مثل هذا لابد أن نتصور أنه كان مثيرا للرفض والاحتجاج الجاد بين أوساط غير المسلمين في الأندلس؛ لكن في المقابل أيضا صدور أمر هشام بهذه الصفة، ومن ثم الإصرار عليه، كان سيؤدي حتما إلى آثار عميقة للمسار العلمي في الأندلس، قد يكون التماس نتائجه واقعا معروفا، إن لم يكن في عصر هشام نفسه، ولكن حتما في العصور اللاحقة لعصره.
الأمر الآخر المثير للانتباه، فيما يتعلق بدور هشام في رعاية العلم في الأندلس هو العلاقة الحميمة التي كانت قائمة بينه وبين علماء عصره، منذ أن كان شابا، وترسخ متانة العلاقة مع توليه الحكم. لقد سبق للبحث الإشارة إلى جملة من الشواهد لذلك. ولكن ومع وصول هشام إلى الحكم، يزداد التأكيد عليه بصورة أشمل؛ ففي معرض دراسته لهذا الجانب، يشير حسين مؤنس، مستخلصا من براهين عدة، أن علاقة هشام بعلمائه، كانت متلاحمة إلى حدّ أن قراراته بدت وكأنها تعكس رغباتهم وتوجهاتهم. [1] وأدى ذلك، كما يقول مواصلا، إلى اكتساب هشام محبة ورضى علمائه؛ مما حدا بهم إلى إظهار جوانبه الحسنة، والتغاضي عن الجوانب المعكرة لها. [2] [3]
(1) حسين مؤنس، شيوخ العصر في الأندلس (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1965م) ، 9-19.
(2) مؤنس، شيوخ العصر ، 19.