فهرس الكتاب
إن البحث لا يهمه الخوض في الأسباب التي أدت بهشام إلى تحويل مذهب أهل الأندلس من مذهب أهل الشام"الأوزاعية"إلى مذهب الإمام مالك"المالكية"فالحديث في هذا الأمر متشعب، ويورد المعددون لدواعيه أسبابًا كثيرة. [1] ولكن إذا ما كان هناك سبب ينبغي الوقوف عنده هنا، فإن ذلك يكون في الإشارة إلى الصورة المثلى، فضلا عن العلم الرفيع، التي قدم بها شيوخ المالكية أنفسهم لأهل الأندلس، وعلى رأسهم الأمير هشام نفسه. ونظرا لأن أولئك الشيوخ عزوا أصول الصورة المثلى التي ظهروا بها علما وخلقا إلى اقتدائهم بشيخهم الإمام مالك نفسه، فإن هذا الاعتراف لم يكسبهم احترام أهل الأندلس فحسب، بل تجملت صورتهم، وكذلك صورة شيخهم عند أمير الأندلس نفسه. ونرى صورة ذلك في قول هشام، عندما علم برفض زياد بن عبدالرحمن القضاء، امتثالا منه لمواقف الإمام مالك نفسه، في رفضه تولي القضاء، وتماشيا أيضا مع ما اعتاد عليه جل شيوخ المالكية، من كراهيتهم التهافت على المناصب، بقوله:"ليت الناس كلهم كزياد، حتى أكفي أهل الرغبة في الدنيا."
(1) انظر كمثال: أحمد مختار العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس (الإسكندرية: مؤسسة الثقافة الجامعية، د. ت.) ، 121-124؛ وانظر كذلك: محمد عبدالحميد عيسى، تاريخ التعليم في الأندلس (القاهرة: دار الفكر العربي، 1982م) ، 86 ؛ كذلك: مصطفى الهروس، المدرسة المالكية الأندلسية إلى نهاية القرن الثالث الهجري: نشأة وخصائص (الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1418هـ/1997م) ، 37-42.