فهرس الكتاب
في مقابل القبول الذي لقيه علماء الأندلس عموما، وبالأخص شيوخ المالكية من هشام، لقد كان لهؤلاء العلماء دور أيضا أثر في تعزيز التلاحم الذي اتصفت به علاقتهم معه؛ فشيوخ المالكية كان لهم بدورهم أيضا أثرهم الأعمق، ليس في مد جسر التفاهم الذي ساد بينهم وبين الأمير فحسب، بل في مد الجسور بينه وبين الإمام مالك نفسه، وتقريب المسافة بين قرطبة والمدينة؛ مما أدى بالأمير -ما رأينا- أن يأخذ بمذهبه في الأندلس. ويسمى القائلون بهذا الرأي غير فقيه مالكي، لاسيما الذين عرفت لهم رحلة ثانية إلى المدينة، في أيام الأمير هشام، ومنهم زياد بن عبدالرحمن، ويحيى بن يحيى الليثي؛ ولكن الأرجح أن الأول كان له الدور الأوفى، في عملية التقريب هذه، إذ يؤكد على ذلك ابن القوطية قائلا:"ورحل بعد عام من ولايته -هشام- زياد بن عبدالرحمن اللخمي، فقيه الأندلس، جد بني زياد القرطبيين، إلى الشرق، فلما صار بالمدينة، ووصل إلى مالك بن أنس، رحمه الله، سأله عن هشام، فأخبره عن مذهبه، وحسن سيرته، فقال مالك: ليت الله زين سمتنا بمثل هذا؛" [1] والأمير هشام -من جهته- عندما نُقل إليه ما قاله مالك بادل مالك أمانيه بقوله:"عالم دار الهجرة يكفينا." [2]
(1) ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، 62، وقد وردت العبارة مختلفة عند الآخرين، ليت الله زين موسمنا بمثل هذا (المقري، 337:1) ، أخبار مجموعة: وودت أن الله ... ، 106.
(2) شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي المقدسي،كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم (ليدن: مطبعة بريل، 1909م) ، 237. ويورد المقدسي صورة ما حدث على النحو التالي: وفشا مذهب أبي حنيفة رحمه الله بالمغرب؛ قلت: فلم يفش في الأندلس، قالوا لم يكن بالأندلس أقل منه ههنا؛ ولكن تناظر الفريقان يوما بين يدي السلطان؛ فقال لهم: من أين كان أبو حنيفة؟ قالوا من الكوفة؛ فقال ومالك؟ قالوا: من المدينة؛ قال: عالم دار الهجرة يكفينا..فأمر بإخراج أصحاب أبي حنيفة، وقال: لا أحب أن يكون في عملي مذهبان. ويضيف المقدسي قائلا: وسمعت هذه الحكاية من عدة مشايخ الأندلس، والأرجح أن السلطان الذي يقصده المقدسي هو الأمير هشام؛ لأن تحول الأندلس إلى مذهب مالك مثبوت عليه وعلى عصره.