الصفحة 72 من 76

ومن الوقائع المتداخلة مع تناغم العلاقة بين الإمام مالك في المدينة وشيوخ المالكية في الأندلس، أن سيرة شاعر الأندلس عاصم بن زيد التميمي، المعروف بأبي المخشى، والذي سبق لنا التعرض إلى بعض سيرته، يدخل طرفا في تبيان مدى التواصل الذي كان قد بلغ مداه بين المدينة والأندلس، وغدا كل طرف ملما بما لدى الطرف الآخر، وتفصيل القصة يشرحها ابن الخطيب قائلا:"إن قصة الذي قطع هشام لسانه الذي نبت لاحقا، لما بلغت مالك بن أنس، أشار إليها في فتواه في التأني بدية اللسان طمعا في نبتها، وقال يتأنى بالحكم عاما، فإن نبت أو شيء منه، عمل في ديته بحسب ذلك، فقد بلغني أن رجلا بالأندلس نبت لسانه أو أكثره بعدما قُطع، فأمكنه الكلام. [1] "

بعد عرض المعطيات الآنفة، لعله مناسب الآن العودة إلى السؤال الذي بدأ به فصله الحالي، وهو هل كان هشام في محل الآمال التي عقدت عليه، حينما فضله أبوه لولاية عهده، وهل استطاع أن يحقق للأندلس ما أُريد منه أن يحقق؟ ومن ثم الإجابة لهذه التساؤلات.

من جملة الأسباب التي طرحت، كان الجانب الفكري، وهو الجانب الأهم في المفاضلة التي تمت بين هشام وأخيه سليمان؛ فهشام بما عُرف عنه من ميل للعلم والعلماء بدا في نظر عبدالرحمن كأنه الأنسب والأقدر لتوجيه الأندلس لوجهتها الفكرية، ويمنحها نفحة العلم التي لم تسعف أيام عبدالرحمن من أن ينفحها للأندلس بنفسه، كما كان يرغب في ذلك. ولقد أبانت خلاصة استعراض أعمال هشام وجهوده في هذا الشأن، من خلال إمكانياته الشخصية، والانتفاع من العوامل المساعدة التي تهيأت له، أنه قد نجح ليس في توجيه الأندلس صوب دروبها العلمية فحسب، بل تمكن، بحماسه وقدرته على التفاعل، من قطع قدر ليس بقليل من الأشواط في هذا المسار.

(1) لسان الدين بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غر ناطة، تحقيق محمد عبدالله عنان، ط 4 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1397هـ/1977م) ، 232-233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت