فهرس الكتاب
البحث في التذكير بالإنجازات التي حققها عبدالرحمن لدولته وللأندلس، وبالتلميح للنواقص التي حالت ظروفه دون إتمامها، يمكنه القول إن الآمال المزدوجة التي عقدت على هشام في الإبقاء، ومواصلة إنجازات أبيه أولا؛ ومن ثم سد ما نقص منها ثانيا، قد تحققت أيضا، وأمكن تلمس شواهدها؛ فهشام نجح في المحافظة على تراث أبيه السياسي والعسكري أولا، ثم تمكن من أن يسد نواقصها بالإنجازات العلمية المهمة التي حققها في عصره.
لقد حقق عبدالرحمن وحدة الأندلس بجهد عانى منه طويلا، كما حقق بإقامته دولته استقلال الأندلس. ولا غرو أن ذلك كان إنجازا باهرا ومرضيا، بالقياس إلى زمنه، بيد أنه، ومع ذلك، لم يكن عبدالرحمن قادرا على بناء دولته داخليا، بسبب الحروب والمناهضات التي لم يرتح من مواجهاتها إلا أياما خلال حكمه الطويل، كما قيل. ورأى عبدالرحمن في محنته تلك، وبمنظار الفاحص لحاجات دولته، أن هشاما، بما توافرت فيه من شروط، هو من يكمل المسار من بعده. ونجاح هشام في تحقيق ما كان مأمولا ومطلوبا منه، يمكن قياسه من هذا المنظور؛ فهو بإعلانه المالكية مذهبا للدولة كان يعلن عمليا الاستقلال المذهبي لدولة الأمويين، ويكمل بذلك عقد الاستقلال السياسي الذي حققه عبدالرحمن. وبصهر هذين الإنجازين، السياسي والمذهبي، في إنجاز واحد، يمكن القول عندئذ، إن الأندلس قد حققت استقلالها الكامل كدولة شاملة، إذ تمكنت في تلك المرحلة المبكرة من عمرها من إرساء القاعدة السياسية والفكرية الصلبتين اللتين اعتمدت قاعدة الدولة عليهما وازدهرت بهما حضارة الأندلس فيما بعد.
الخاتمة