الصفحة 74 من 76

افتتح البحث بالتأكيد على الضرر الذي يصيب التاريخ من قطعه إلى مدد قصيرة؛ مما يفقده هيئته ويصعّب التحقق من أسبابه، والتيقن من نتائجه. ودعي كبديل لذلك إلى مد مدد التاريخ ما أمكن، وذلك للفائدة المتحققة منه. وللربط بين هذه الدعوة وبين التاريخ كحدث، طرح البحث الجمع بين عصرين أندلسيين، غالبا ما درسا بانفصال عن بعضهما، وهما عصر عبدالرحمن بن معاوية، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، وعصر ابنه هشام، كنموذج ينبغي دراستهما كعصر واحد، وذلك للتداخل القوي بينهما، وللارتباط المحكم بين جوانبهما، يمثل فيهما قضية ولاية العهد محوره الأساس.

لقد بنى البحث حجته في الكيفية التي تعامل بها عبدالرحمن بن معاوية (الداخل) مع مسألة ولاية العهد، على الشعور المتنامي لديه، بأن دولته، على الرغم من صلابة قاعدتها السياسية والعسكرية، كانت لا تزال بعيدة عن اكتمال أركانها، كما كانت تمليه عليه تقديراته الشخصية. فهو وإن حقق لها النشأة وإخضاع الأعداء، إلا أن الدولة المثلى، في نظره، كانت ما تزال ناقصة الأركان، وبعيدة عن الأسس الكاملة التي تقوم عليها الدولة، والنواقص لا تكتمل إلا عن مزاوجة إنجازاتها العسكرية مع تطلعاتها الفكرية، وبمعنى آخر مزاوجة"القلم والسيف"؛ فعبدالرحمن الداخل لم يكن، في واقع الأمر، ينظر إلى إنجازاته سوى أنها كانت محققة لجانب السيف في تلك المعادلة؛ كما كان يشعر بذلك اطرادا كلما قدم العهد به، والزمن بدولته. ولذلك فإن الشعور تزايد عنده بأن الوقت لن يسعفه لمزاوجة إنجاز السيف بالقلم. ومن هنا فقد وجه أنظاره إلى ولديه المؤهلين لهذا الأمر-سليمان وهشام- لترشيح من تبدو فيه المؤهلات لتحقيق هذا الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت