الصفحة 16 من 17

وهكذا كانت البيعة من الرِّجال ومن النِّساء لا عن إكراه ولكن عن إيمان فلقد رأوا ما كان عليه الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في السَّابق، وما وصلوا إليه الآن، وتبيّن أنَّ ذلك لا يمكن أنْ يكون إلاَّ بهذا الدِّين، وأنَّ هذا الدِّين ليس إلاَّ من عند الله تعالى، فدخلوا في دين الله أفواجًا، وصوَّر القرآن هذا المشهد: [النَّصر: 1-3] .

ها هو ذا الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - الذي خرج متخفيًا ومطلوبًا القبض عليه حيًّا أو ميتًا في أعلى المنعة، ويتلقّى البيعة من الجميع، وها هو ذا بلال الذي كان يُجرّ ولا يجد غير أنْ يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ ها هو ذا يصعد في أعلى مكان، ويعلن: الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إلا الله وأنَّ مُحَمَّدًا رسول الله.

وفي هذه اللَّحظات واحد من أهل مكة تحدّثه نفسه بأنَّ مُحَمَّدًا الآن منشغلٌ بالبيعة، وبعظمة الانتصار، وأنَّ أصحابه كذلك فرحون، وأنَّه يمكن له أنْ يقتله، فأتى قُبالة بن عمير بن الملوح، متجهًا نحو النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومعه سلاح يخفيه ليقتل به النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، والنَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يخطب، ولَمَّا رآه متجهًا نحوه، قال: (أقبالة؟) قال: نعم، قال: (ماذا كنت تحدّث به نفسك؟) قال: لا شيء، أذكر الله. قال الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يبتسم: (استغفر الله يا قُبالة) ، ووضع يده على صدره، قال قُبالة: والله ما رفع يده إلاَّ وكان أحبّ خلق الله إليَّ [1] ، فامتلأ قلبه محبة للنَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وإيمانًا بدينه، فرجع ومرَّ على امرأة كان يجالسها وتؤانسه، فدعته إليها، فقال:

قالت: هلمَّ إلى الحديث، فقلت: ... لا يأبى عليك الله والإسلامُ

لو قد رأيتِ مُحَمَّدًا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنامُ

لرأيتِ دين الله أضحى بيِّنًا ... والشَّرك يغشى وجهه الإظلامُ

(1) ابن قيم: زاد المعاد، 3/412.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت