سُئِل البرامكة: لِمَ زال ملككم؟ قالوا: بدعوة مظلوم، غفلنا عنها ولم يغفل عنها الرَّبّ، فعسى الله تعالى بدعوة رجل أو بدعوة امرأة أنْ يُغيِّر حال قوم مسلمين من حال إلى حال. لذلك لا بُدّ أنْ نستحضر نصرة إخواننا المسلمين، في هذه الغزوة وفي هذا الحدث من أحداث السِّيرة.
الفائدة الأولى التي تُجنى لنا أنَّ الذين في ذمة المسلمين حتَّى من غير المسلمين والذي هو في عهدهم سلمه هو سلم للمسلمين، وحربه هو حرب على المسلمين، ذلك أنَّ السَّبب الأساس الذي أدَّى إلى أنْ ينطلق الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - نحو مكة مخططًا وفاتحًا هو اعتداء قبيلة بكر على قبيلة خزاعة بعون من قريش، مخالفة بذلك لبند من بنود صلح الحديبية، الذي عقده الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - مع أهل قريش، فجعل بينهم عشرة أعوام تضع فيها الحرب أوزارها، والذي يدخل في حرز المسلمين لا يتعرَّض له أهل قريش، والذي يدخل في حرز قريش لا يتعرَّض له أهل الإسلام. ولكن أهل الكفر ـ كعادتهم ـ ما داموا لم يعرفوا التَّوحيد، كيف لهم أنْ يحفظوا العهد مع عباد الله تعالى. فقالت بنو بكر أنْ يغيروا على خزاعة، واستعانوا بأهل قريش فأعانوهم، فقتلوا منهم مَنْ قتلوا، وأصابوا مَنْ أصابوا، وحتَّى بعد أنْ لجأ الخزاعيون إلى مكة ظاهر أهل قريش قبيلة بني بكر للنَّيل منهم. وهنا انطلق سيّدهم وشاعرهم عمرو بن سالم إلى الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - طالبًا النَّصر والعون، ومُنشدًا هذه الأبيات:
يا ربَّ إني ناشدٌ مُحَمَّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتَ ولدًا وكنَّا والدا ... ثُمَّ أسلمنا فلم ننزع يدا [1]
أنصر هداك الله نصرًا أعتدا ... وأدعو عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرَّدا ... إن سيم خسفًا وجهه ترّبدا
في فيلقٍ كالبحر يجري مزبدًا ... إنّ قريشًا أخلفوك الموعدا
(1) في إشارة إلى إحدى جدات الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - الخزاعيات.