وإن من شنيع ما رُويَ عن الخوارج ـ وفيه ردُّهمُ الحديثَ النبويّ الشريف ـ ما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» عن رجلٍ من عبد القيس [1] كان مع الخوارج ثم فارقهم قال: دخلوا قريةً فخرج عبدُ الله بن خبّاب [2] ذعرًا يَجُرُّ رداءَه، فقالوا: لم تُرَع! قال: والله لقد رعتموني!
قالوا: أنت عبد الله بن خباب صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يُحدّثُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُحدّثُناه؟ قال: نعم. سمعتُهُ يُحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه ذكر فتنةً القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي.
قال: «فإن أدركت ذاك فكن عبد الله المقتول» .
قال أيوب [3] : ولا أعلمه إلا قال: «ولا تكن عبد الله القاتل» .
قالوا: أأنت سمعتَ هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم. قال: فقدَّموه على ضفّة النهر، فضربوا عُنُقَه، فسال دمُهُ كأنه شِراكُ نعلٍ ما ابذقرّ، وبقَروا أمَّ ولدِهِ عما في بطنها [4] .
(1) عبد القيس من قبائل بني أسد تُنسَبُ إلى عبد القيس بن أفصى بن دُعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
يُنظَرُ: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم ص 278
(2) أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، مختلَفٌ في صحبته، له رؤية ولأبيه صحبة، قتلته الخوارج.
بذا ترجم له الحافظ أبو نعيم في «معرفة الصحابة» 3/ 1632 الترجمة (1621) .
وقال ابن حجر: ذكره الطبراني وغيره من الصحابة. «الإصابة في تمييز الصحابة» 4/ 62 الترجمة (4638) .
(3) هو أحد رجال إسناد الحديث أيوبُ بنُ أبي تميمةَ السختياني التابعيّ، رأى أنس بن مالك، أحدُ الحفّاظ في البصرة، حديثُه في الصحيحين فما دونَهما، توفي سنة (131 هـ) .
ترجمته في «تهذيب الكمال» الترجمة (607) 3/ 457 - 464.
(4) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» برقم (21064) .
والطبراني في «المعجم الكبير» برقمَي (3630) و (3631) ، وغيرُهم.
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» برقم (12335) : ولم أعرف الرجل الذي من عبد القيس وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأخرجه أحمدُ مفسّرًا برقم (21065) عن حميد بن هلال نحوه إلا أنه قال: «ما امذقرّ» يعني: لم يتفرق، وقال: «لا تكن عبد الله القاتل» ، وكذلك قال بهز أيضًا. ا. هـ.
وقوله: «ابذقر» أو «امذقر» بمعنى تفرّق.
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر» 4/ 312:
قال أبو عبيد: أي: ما امْتَزَج بالماء.
وقال شَمِر: الامْذِقْرارُ: أن يجتمعَ الدّمُ ثم يتَقطّع قِطَعًا ولا يختِلط بالماء. يقول: لم يكن كذلك ولكنه سال وامتزج. وهذا بخلاف الأوّل. وسِياق الحديث يشهَدُ للأوّل أي: أنه مَرَّ كالطريقة الواحدة لم يختلط به. ولذلك شَبَّهَهُ بالشِّراك الأحمر، وهو سَيرٌ من سيُور النَّعل.
وذكر المُبَرّد هذا الحديث في «الكامل» قال: ثم قرّبوه إلى شاطئ النهر فذبحوه وقَرّبوه إلى شاطِئ النَّهر فذَبَحوه فامْذَقَرّ دَمُه. أي: جَرى مُستطيلًا مُتَفرِّقًا. هكذا رواه بغير حرف النَّفْي. ورواه بعضهم بالباء وهو بمعناه.
قلتُ: ما قاله المبرد في «الكامل» ص 564 فامذقرّ دمُه، أي: جرى مستطيلًا على دقة.
ثم إنّ المبرد أتمّ الخبرَ قال:
وساموا رجلًا نصرانيًا على نخلة له، فقال: هي لكم، فقالوا: ما كنا لنأخذها إلا بثمن. قال: ما أعجب هذا? أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منا نخلة إلا بثمن!