الصفحة 54 من 92

ولعل القول الأول هو الراجح، لكن لا يُشترط لمستند الإجماع أن يصل إلينا، فيمكن أن يَستند الإجماع إلى حديث لم يبلغنا، أو إلى قياس أو اجتهاد ونحوه من الأدلة.

(فائدة)

2: في كل عصر من العصور يمكن أن ينعقد الإجماع، لكن: نقل الإجماع أصعب من انعقاده.

فالذي ينقل الإجماع لا بد أن يكون - بحد الاطلاع - بحيث يعرف كل المجتهدين في العصر الذي ينقل الإجماع فيه، وقد اطلع على أقوالهم جميعا.

مثال: لو أن شخصا في زماننا هذا من أهل العلم، اطلع على علماء هذا العصر جميعا في مشارق الأرض ومغاربها، وعرف من بلغ رتبة الاجتهاد منهم والفتيا، وعرف أقوالهم في نازلة محددة كالصلاة في الطائرة - مثلا -، فحكى إجماع هذا العصر - أي الماضي - على جواز الصلاة في الطائرة، فيكون هذا إجماعا لهذا العصر، فإن انقرض لم يحلَّ نقضه.

أما إذا كان الإنسان غير مطلع على أوضاع العالم فيمكن أن يكون في مشارق الأرض أو في مغاربها من المفتين من وصل إلى رتبة الاجتهاد ولم يعلم هو به، أو علم به ولم يصل إليه قوله في تلك المسألة، فلا يصح له حينئذ أن يحكيَ الإجماعَ.

ولهذا فإن الذين يحكون الإجماع في هذه الأمة قلائل، من أمثال: ابن المنذر، وابن حزم، وابن تيمية، وابن عبد البر، فهم العمالقة الكبار المطلعون على أوضاع العالم، الناقلون لعلوم المشارقة والمغاربة ولأهل الأطراف.

-وقول المصنف:"اتفاق"المراد بذلك: تواطؤُ فتواهم عليها ولو لم يجتمعوا ولو لم يتعارفوا فيما بينهم، ولم تصل فتوى بعضهم إلى بعض، فالمقصود: أن تتواطأ فتواهم على الأمر.

-وقوله"ونعني بالعلماء: الفقهاءَ"، والمقصود بهم هنا: المجتهدون، فلا عبرة بمخالفة العاميِّ، ولا بمخالفة النحويين في مسائل الاجتهاد، ولا بمخالفة المتكلمين كذلك فيها، بل ولا بمخالفة بعض المحدثين ممن ليس فقيها بالغًا لرتبة الاجتهاد، فالعبرة إذًا بأهل الاجتهاد والفتيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت