فهرس الكتاب
-وقوله:"ونعني بالحادثة: الحادثةَ الشرعيةَ"أي: في الحكم الشرعي، فيخرج من ذلك: الأمور العقلية، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن السماء فوق الأرض، وأن الواحد نصف الاثنين - مثلا -، ويخرج أيضا: الأحكام العادية، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن النار محرقة ونحو ذلك.
قال:"وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها"، فمن خصائص هذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة، فلا يمكن أن يجتمع مجتهدوها جميعا على ضلالة؛ لأن أهل الاجتهاد فيها: هم أمناء الله على الوحي، وليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبيٌّ يصحح ما أخطؤوا فيه، بخلاف الأمم السابقة فإن علماءها - وإن كانوا مؤتمنين على الوحي في منزلتهم - إلا أنه إذا أخطؤوا فسيأتي بعدهم نبيٌّ يصحح الخطأَ، وهذه الأمة لا يأتي بعد علمائها نبيٌّ، فعلماؤها مثل أنبياء بني إسرائيل مؤتمنون على الوحي، فلا يمكن أن يجتمعوا على ضلالة.
ولهذا أخرج أبو عمر ابن عبد البر في مقدمة"التمهيد"والخطيب البغدادي في"شرف أصحاب الحديث"من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يحمل هذا العلمَ من كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين"، فالوحي من عند الله، ولم يكن ليجعله بدار هوان، فاختار له المُوَقِّعِين عن رب العالمين الذين هم محل ثقة ورضى، واختيارهم إنما هو من عند الله تعالى، كما قال جل وعلا: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } وقال: { يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة } ، ولهذا قال: { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا } .
قال: لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تجتمع أمتي على ضلالة".
وهذا الحديث - وإن كان ضعيفا - في كل طريق من طرقه، إلا أن طرقه كثيرة، وله شواهد كثيرة تؤيده.