الصفحة 66 من 92

فإذا اتفقوا على صحتها، وأنها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك: لا يمكن الطعن فيها، لا من ناحية الدلالة ولا من ناحية الإسناد.

قال:"والعنعنة تدخل على الأسانيد"أي: أن الإسناد قد لا يصرح فيه المحدث بسماعه من شيخه، وقد لا يعزو إليه إلا بـ"عن"و"أن"، كأن يقول: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، ويأتي بالعنعنة.

أو يقول الشيخ مباشرة: عن فلان، أو يقول: أحدثكم عن فلان.

ومثل ذلك: أنَّ فلانا قال كذا.

فهذه إذا كان الشيخُ فيها غيرَ معروفٍ بالتدليس حُمِلت على السماع.

وإن كان معروفا بالتدليس لم تُحمل على السماع، إلا إذا كان ذلك في الصحيحين، فإن صاحبيهما انتقيا حديثهما وانتخباه، فما كان فيهما من مُعَنْعَنِ المدلسين، فقد عَلِمَا انتفاءَ علةِ التدليس عنه، لاحتياطهما واطلاعهما الواسع في هذا الباب، فهما: أميرا المؤمنين في الحديث.

لذلك: فما رواه مسلمٌ من حديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة، كلُّه محمولٌ على السماع.

ومثل ذلك: ما كان في صحيح البخاري من عنعنة قتادة عن أنس، أو من عنعنة أبي إسحاق السبيعي فهو محمولٌ على السماع، وإن كان هؤلاء قد عُرفوا بالتدليس إلا أن الأئمة ينتخبون من حديثهم ما ثبت سماعهم فيه.

قال:"وإذا قرأ الشيخ، يجوز للراوي أن يقول: حدثني أو أخبرني"إذا قرأ الشيخُ الكتابَ فسمع ذلك السامعُ، فيجوز أن يقول: سمعتُ فلانا يحدث، وهذا هو الأصل، أو يقول: حدثنا فلان، فإن انفرد هو بالسماع قال: حدثني فلان، وإن كان مع غيره قال: حدثنا فلان، إن كان قصده بالتحديث.

فإن كان لم يقصده بالتحديث، كما حصل للنسائي مع الحارث بن مسكين حين غضب عليه فطرده من مجلسه، فكان النسائي يختبئ فيسمع حديثَ الحارثِ بنِ مسكين، ثم بعد هذا إذا أخرج عنه في سننه يقول: حَدَّثَ الحارثُ بنُ مسكين وأنا أسمع، وذلك ورعًا أن يقول: حدثنا، لأنه يستثنيه، فيقول: حدَّث الحارث بن مسكين وأنا أسمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت