فهرس الكتاب
(وَأَمَّا الْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الأَشْيَاءَ عَلَى الْحَظْرِ إِلاَّ مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِبَاحَةِ يُتَمَسَّكُ بِالأَصْلِ، وَهُوَ الْحَظْرُ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّهِ، وَهُوَ: أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَشْيَاءِ أَنَّهَا عَلَى الإِبَاحَةِ إِلاَّ مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ).
عقد هذا الباب لورود الحظر - وهو التحريم - بعد الإباحة الأصلية - أي: ما كان قبل ورود الشرع على أصل الإباحة والجواز -.
ويقصد بهذا: ذكر الاستصحاب الذي هو حجة ودليل من الأدلة الخلافية عند الأصوليين.
قال:"وأما الحظر والإباحة، فمن الناس من يقول: إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة".
يقصد أن بعض الأصوليين يرى أن الأصل في الأشياء كلها: المنع، لأنها مملوكة للغير، فهي من ملك الله سبحانه وتعالى، فما لم يأذن فيه منها، فهو على أصل الحظر.
وهذا القول ضعيف جدا؛ لأن الله تعالى يقول: { خلق لكم ما في الأرض جميعا } فالأصل في حركات المكلف وسكناته وتصرفاته: الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه.
وهذا قال:"فمن الناس من يقول: إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة، يُتَمَسَّكُ بالأصل وهو الحظر".
قال:"ومن الناس من يقول بضده، وهو: أن الأصل في الأشياء أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع".
وهذا مذهب الجمهور، وهو أن الأصل في الأشياء: الإباحةُ إلا ما عرض فيه الحظر.
والراجح: أن الأصل في الأعيان والأفعال المنتفع بها - قبل رورد الشرع: الإباحة، لقوله تعالى: { هو الذي خلق لكم ما الأرض جميعا } ، وقال: { والأرض وضعها للأنام، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام، والحب ذو العصف والريحان } ، فدل هذا على إباحة كل ذلك.