فهرس الكتاب
وعلى هذا، فمن الناس من يرى أن"كل مجتهد مصيب"، ومنهم من يرى أن"لكل مجتهد نصيب"فقط، وأنه منهم من يصيب ومنهم من يخطئ، فمن أصاب الحق في علم الله فهو المصيب، ومن أخطأه فهو مخطئ، ويستدلون بهذا الحديث:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر"فدل هذا على أنه يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطئ.
ويمكن الجمع بين القولين، بأنه ما من مجتهد إلا وهو مصيب في امتثاله لأمر الشارع له بالاجتهاد، ولكن مع ذلك قد يصيب الحق في علم الله، وقد لا يصيبه، بحسب توفيق الله له.
ومحل هذا في الفروع، والفروع: هي ما لم يحسمه دليل قطعي، فما حسمه الدليل القطعي فهو من الأصول، ولا يُقصد هنا بالفروع: الفروع الفقهية لإخراج العقائد، بل من العقائد ما لم يحسمه الدليل فيكون محلا للاجتهاد، ومن المسائل العملية ما حسمه الدليل فلا يكون محلا للاجتهاد، كوجوب الصلاة والزكاة ونحو ذلك، وحرمة الزنا والخمر ونحو ذلك، فهذه الأمور لا اجتهاد فيها، لأنها من الأصول، حيث حسمها الدليل.
قال:"ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدى إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين".
هذه المسألة حصل فيها الخلاف بين المعتزلة وغيرهم، فقد قال النَّظَّامُ وتبعه على ذلك عدد من المعتزلة:"كل من احتهد في طلب الصواب فهو مصيب سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها"وعلى هذا، يعذرون من كان من الكفار والمنافقين والضلال اجتهد في طلب الحق ولم يكابر، وإنما أداه عقله الذي خصه الله به إلى الوصول إلى رأي يراه عينَ الصواب وهو غير مكابر، فيعذرونه.