أما الدليل الأول: فهو ما أخرجه الطبري في [ تفسيره ] قال الحافظ في [ التلخيص] :"إسناده قوي"عن علي بن أبي طالب ـ - رضي الله عنه - ـ أنه تلا قوله سبحانه: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال:"تمامها هو أن تأتي بها من دُوَيْرَة أَهْلِكَ"، قالوا: فجعل الحج والعمرة ، يؤتى بها من دُويرة الأهل ، لمن أتى بها ؛ والنائب يقوم مقام المُستنيب ، ومن ثم لا بد أن يأتي بها من دويرة صاحب الأصل .
وأما الدلالة الثانية:
فهو أن الحج كالدَّين ، وسبق حديث النسائي في ذلك ، ومِن ثم فالدَّين يُؤدّى في دويرة الناس الذين أخذوا المال ، فكذلك يكون الحج يُبْدَأُ مِنهُ .
إلاّ أن جماعة من الفقهاء اختاروا أن الحج والعمرة ، لا يُشترط أن يؤتى بهما من دويرة المُستنيب ، وإنما يؤتى من أي محل على الوجه الشرعي ، بان يُؤتى بها من الميقات لمن كان خارج الميقات ، ويؤتى بها من مكة لمن كان داخل مكة وهكذا .
وهذا القول تشهد له ظواهر النصوص وعموماتها ، إذ إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سُئِل عن الإنابة في الحج ، كما في قصة الخثعمية وغيرها ، لم يذكر أن يذهب المرء إلى المحل الذي استناب فيه ، ثم يأتي به ، وإنما أوجب ذلك مطلقًا ، ولم يذكر فيه هذا الشرط . وأمّا ما قاله علي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فهو من باب التوضيح لا من باب الشرطية . فإن المرء إذا أنشأها في داخل مكة وكذلك الحج إذا أنشأ العمرة من داخل مكة ، جاز أن يأتي بها من الحِلّ بعد أن أنشأها في غير بلده ، إذا أنشأ الحج في غير بلده كأن يكون صاحب يسار ، بعد أن كان صاحب إعسار في بلده ، وسافر إلى غيره فيُنشِأ نِية الحج من غير بلده ، ذاهبًا إلى الحج . وهذا متفق على صحته في الجملة ، كما قاله ابن القيم في [ الهَدْي ] .
قوله: [ من بلده ] .
يُقصد به شيئان:
أما الأول: فهو البلد الذي هو دار إقامة للحاج أو المعتمر .