الصفحة 3 من 28

بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الجمعة في المسجد النبوي بالمدينة النبوية لفضيلة الشيخ: عبدالمحسن القاسم

بتاريخ: 3- 8-1422هـ

والتي تحدث فيها فضيلته عن: فضل الدعاء وأهميته

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرًا، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، فمن اتقى ربه ارتقى درجات، وطاب مآله بعد الممات.

أيها المسلمون، الخلق مفتقرون إلى ربهم في جلب منافعهم ودفع مضارهم، لإصلاح دينهم ودنياهم، وكمالُ المخلوق في تحقيق عبوديته لله عز وجل، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته، والله جل وعلا يبتلي عباده بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به، وهذا من النعم في طيّ البلاء، والافتقار إلى الله هو عين الغنى ولب العبادة ومقصودها الأعظم، والتذلل له سبحانه هو العز الذي لا يجارى، والدعاء هو سمة العبودية، والله يحب أن يسأله العباد جميع حاجاتهم. في الحديث القدسي: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم ) ) [رواه مسلم] .

والرب لا يعبأ بعباده لولا ضراعتهم إليه، قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان:77] ، والدعاء من صفات أنبياء الله وأصفيائه، إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ?لْخَيْر?تِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خـ?شِعِينَ [الأنبياء:90] ، وإمام الحنفاء يقول: وَأَدْعُو رَبّى عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا [مريم:48] .

الدعاء روضة القلب وجنة الدنيا، عبادة ميسورة مطلقة، غير مقيدة بمكان ولا زمان ولا حال، دعاءٌ في الليل والنهار، وتضرعٌ في البر والبحر، وحين الإقامة والسفر. نفعه يلحق الأحياء في دنياهم، والأمواتَ في لحودهم، (( أو ولد صالح يدعو له ) ). الدعاء يكشف بفضل الله البلايا والمصائب، ويمنع وقوع العذاب والهلاك، وهو سلاح المؤمن، لا شيء من الأسباب أنفع ولا أبلغ في حصول المطلوب منه، هو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (أنا لا أحمل همَّ الإجابة ولكن أحمل همَّ الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن معه الإجابة) . لا شيء أكرم على الله منه، ما استجلبت النِّعم، ولا استدفعت النقم بمثله، به تفرج الهموم، وتزول الغموم، كفاه شرفا قرب الله من عبده حال الدعاء، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأضعفهم رأيًا وأدناهم همة من تخلّف عن النداء، الدعاء هو عين المنفعة ورجاء المصلحة، ودعاءُ المسلم بين يدي جواد كريم يعطي ما سُئل، إما معجّلًا وإما مؤجّلًا، يقول ابن حجر -رحمه الله-:"كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة، فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارةً بعِوضه".

بالدعاء تسمو النفس، وتعلو الهمم، ويُقطع الطمع مما في أيدي الخلق، الداعي موفور الكرامة، مُهاب الجناب، وكلما اشتدّ الإخلاص وقوي الرجاء، كلما كانت الإجابة أحرى، يقول يحيى بن معاذ -رحمه الله-:"من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يُردّ"، فأطب مطعمك ومشربك، وتعفف عن الشبهات، وقدم بين يدي دعائك عملًا صالحًا، ونادِ ربك بقلب حاضر بصوت خافت، زكريا عليه السلام: نَادَى? رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا [مريم:3] ، هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً [آل عمران:38] ، فرزقه الله يحيى نبيا. وتخيَّرْ في دعائك والثناء على ربك أحسن الألفاظ وأنبلها وأجمعها، وتحرَّ من الأوقات الفاضلة، والأحوال الصالحة أرجاها، وإذا دعوت فاستكثر ربك الخير في دعائك يقول النبي: (( إذا دعا أحدكم فليعظم المسألة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه ) )، والساجد من ربه قريب، حريّ أن يعطى سُؤله، وتجنب الدعاء على أهلك ونفسك ومالك ومصدر رزقك، يقول المصطفى: (( لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم ) ) [رواه مسلم] .

ولا تستبطئ الإجابة وألِحَّ على الله في المسألة، فالنبي مكث يدعو على رعل وذكوان شهرًا، وربك حييّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يده إليه، أن يردها صفرًا، فادع وَرَبُّكَ ?لأَكْرَم، وألق نفسك بين يديه، وسلّم الأمر كله إليه، واعزم المسألة، وأعظم الرغبة فما رَدَّ سائله، ولا خاب طالبه، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالخلق لم تسدَّ فاقته، ومن أنزلها بالرب فنِعْم الرزاق هو، فأظهر -أيها الداعي- الشكوى إلى الله، والافتقار إليه، فهو جابر المنكسرين وإله المستضعفين، يقول يعقوب عليه السلام: إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ?للَّهِ [يوسف:68] ، فهو صاحب كل نجوى، وسامع كل شكوى، وكاشف كل بلوى، يده تعالى ملأى لا تغيضها نفقة، سحَّاء الليل والنهار، ما أُمِّل تعالى لنائبة فخيَّبها، وما رُجي لعظيم فقطعها، لا يؤمَّل لكشف الشدائد سواه، بيده مفاتيح الخزائن، بابه مفتوح لمن دعاه، واستعمِل في كل بلية تطرقك حسنَ الظن بالله في كشفها، ومن ظن بربه خيرًا أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضلاته، وبالإخلاص تدور دوائر الإجابة، ولازم الطلب فالمعطي كريم، والكاشف قدير، ولا تستعجل الإجابة إذا دعوت، ولا تستبطئها إذا تأخَّرت، ومن يُكثر قرع الأبواب يوشك أن يفتح له، وإذا تزخزف الناس بطيب الفراش، فارفع أكفَّ الضراعة إلى المولى في دُجى الأسحار، إذ يُناديك في ظلمائها: (( من يدعوني فأستجيب له ) )، والدعاء بين الأذان والإقامة لا يردّ، ودعوة الوالد لولده مستجابة، فأكثر -أيها الأب- من الدعاء لأبنائك بالهداية وملازمة السعادة، والعصمة من الفتن، ودعوة المسلم لأخيه الغائب مسموعة، والمَلك يؤمِّن على دعوتك، والبارّ بوالديه دعوته لا ترد، وفي الجمعة ساعة مستجابة، ولا تؤذ الصالحين أو تسخر منهم، فلهم عند الله شأن؛ كلماتهم صاعدة، ودعواتهم مستجابة، يقول جل علا في الحديث القدسي عن أوليائه: (( ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) )، ومن حلَّت به نوائب الدهر وجأر إلى الله حماه قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ ?لْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ?لسُّوء [النمل:62] .

ألقي يونس عليه السلام في بطن الحوت، وبالدعاء نبذ بالعراء من غير أذى، يقول النبي: (( دعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له ) )وفي لفظ: (( لا يقولها مكروب إلا فرّج الله عنه ) ) [رواه الترمذي] .

بدعوةٍ تتقلب الأحوال، فالعقيم يولد له، والسقيم يُشفى، والفقير يُرزق، والشقي يسعد، بدعوةٍ واحدةٍ أُغرق أُهل الأرض جميعهم إلا من شاء الله: وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ?لأَرْضِ مِنَ ?لْكَـ?فِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26] ، وهلك فرعون بدعوة موسى وقال موسى: رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ?طْمِسْ عَلَى? أَمْو?لِهِمْ وَ?شْدُدْ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى? يَرَوُاْ ?لْعَذَابَ ?لألِيمَ [يونس:88] ، ووهب ما وهب لسليمان بغير حساب بسؤال ربه الوهاب، وشفى الله أيوب من مرضه بتضرعه أَنّى مَسَّنِىَ ?لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ?لرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] ، وأغيث نبينا محمد يوم بدر بالملائكة، بتَبتُّلِه إلى موالاه، مع قلة العدد وذات اليد، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَ?سْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ?لْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9] .

وإذا تقطعت بك -أيها المظلوم- الأسباب، وأُغلقت في وجهك الأبواب، فاقرع أبواب السماء، وُبثَّ إلى الجبار اللأواء، فهو مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، وَعَدَ بنصرة الملهوف، وإجابة المظلوم، ظَلَم رجل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- فقال سعد: (اللهم أعم بصره، وأطل عمره، عرضه للفتن) ، قال الراوي: فأنا رأيته بعد قد عمي بصره، وقد سقط حاجبه على عينيه من الكبر، ويقول: كبير مفتون أصابته دعوة سعد.

يقول ابن عقيل -رحمه الله-:"يستجاب الدعاء بسرعة للمخلص والمظلوم".

فيا ويل من وجهت له سهام المظلومين، ورفعت عليه أيدي المستضعفين، فاصبر -أيها المصاب- على ما قدر، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، والبلاء المحض هو ما يشغلك عن ربك، وأما ما يقيمك بين يديه ففيه كمالك وعزك، وإذا أقبل اليسر، وحل الفرج، وزالت الغموم، وما أقربَ الأمر، فاحمد الله على ما كشف، ففي الحمد شكر وزيادة نِعَم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالَ رَبُّكُمْ ?دْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ?لَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ د?خِرِينَ [غافر:60] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه. أما بعد:

أيها المسلمون، فقضاء الله لعبده المؤمن عطاء، وإن كان في صورة المنع، وهو نعمة، وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية، يقول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: (أصبحت وما لي سرور إلا في انتظار مواقع القدر، إن تكن السراء فعندي الشكر، وإن تكن الضراء فعندي الصبر) .

ومن أُلهم الدعاء لم يحرم الإجابة، يقول النبي: (( ما على وجه الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله تعالى إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ) )، فقال رجل من القوم: فإذًا نكثر،‍ قال: (( الله أكثر ) ) [رواه الترمذي] .

والذين يدعون الله ويدعون معه غيره أغلقوا باب الإجابة، قال عز وجل: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ?للَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى? يَوْمِ ?لْقِيَـ?مَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَـ?فِلُونَ [الأحقاف:5] ، دعاؤهم للأموات هباء، لا يجلب مرغوبًا، ولا يمنع مكروهًا، وهو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يُغفر، قال عز وجل: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ?للَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ?لظَّـ?لِمِينَ [يونس:106] ، ويقول عليه الصلاة والسلام: (( إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ) )، فاجتهد في الدعاء، وأخلص له جل وعلا العبادة، وأفرده بالدعاء، واغتنم ساعات عمرك، فلن يهلك مع الدعاء أحد، فالسعيد من وفق لذلك، والمحروم من حرم لذة العبادة، أو أيس من رحمة الله وكان من القانطين.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, ودمر أعداء الدين, واجعل اللهم هذا البلد آمنا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين, اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم هيئ لهم جنود السماء بقدرتك وجنود الأرض بعزتك، يا قوي يا عزيز، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم كن لهم وليًا ونصيرًا، ومعينًا وظهيرًا يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم إنا نسألك التوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

عباد الله ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت