ولنشر العلم وسائل كثيرة من أهمها: التصدي للإفتاء لعموم الحاجة إليه ، وكثرة التعويل عليه ، لاسيما في هذه الأيام التي قل فيها الإقبال على العلم واكتفى معظم المستمسكين بهذا الدين باستفتاء العلماء عما يعرض لهم ، أو يؤرق بالهم لتصحيح عبادة ، أو تقويم معاملة ، والقليل منهم من يلزم مجالس العلماء حتى يتخرج على أيديهم ويصبح بالتالي وارثا لعلومهم .
وما زال الإفتاء قائما منذ فجر الإسلام ، وحتى هذه الأيام ، حتى خلف العلماء كثيرا من كتب الفتاوى والنوازل التي زخرت بها المكتبة الإسلامية ، كانت وما تزال مصدرا من مصادر الإشعاع العلمي و الحضاري الذي ترك بصماته في نهضة الأمم ورقي الشعوب .
لهذا كانت منزلته عظيمة ، ومكانته كبيرة ، لأنه: (( بيان حكم الله تعالى بمقتضى الأدلة الشرعية على جهة العموم والشمول ) ) (1) .
وقد تقلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المنصب العظيم ، فكان له منصب النبوة ، ومنصب الإمام ، ومنصب الإفتاء .
د/ محمد فؤاد البرازي
المبحث الأول
الفتوى منزلتها والحاجة إليها
كما ذكرنا آنفا في المقدمة ووضحنا أهمية الفتوى والتصدي للإفتاء لعموم الحاجة إليه وكترة التعويل عليه ، ولما كان الإفتاء بهذه المثابة فإن من الحري بنا أن نتحدث عن الفتوى ، ومنزلتها ، والحاجة إليها .
أ- تعريف الفتوى:
الفتوى لغة: اسم مصدر بمعنى الإفتاء ، والجمع الفتاوى والفتاوي يقال: أفتيته فتوى وفتيا: إذا أجبته عن مسألته .
والفتيا: تبين المشكل من الأحكام ، وتفاتوا إلى فلان: تحاكموا إليه وارتفعوا إليه في الفتيا (2) .
وفي تفسير قوله تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } [النساء: 127] .
قال ابن عطية: أي يبين لكم حكم ما سألتم .
(1) مختارات من الفتاوى والبحوث للشيخ جاد الحق ص / 8.
(2) لسان العرب ، والقاموس المحيط .