ومما يظهر منزلة الفتوى أيضا: أنها بيان لأحكام الله تعالى في أفعال المكلفين لهذا شبه ابن القيم المفتي بالوزير الموقع عن الملك ، فقال: (( إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض و السماوات ) ) (1) . وقال النووي: (( ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى ) ).
ولئن كانت حاجة الأمة إلى الفتوى كبيرة فيما مضى ، فإن الحاجة غليها في هذه الأيام أشد وأبقى ، فقد تمخض الزمان عن وقائع لا عهد للسابقين بها ، وعرضت للأمة نوازل لم يخطر ببال العلماء الماضين وقوعها ، فكانت الحاجة إلى الإفتاء فيها شديدة ، لبيان حكم الله تعالى في هذه النوازل العديدة إذ لا يعقل أن تقف شرعة الله العليم الحكيم عاجزة عن تقديم الحلول الناجحة لمشكلاتهم ، المتسعة لكل ما يحدث لهم أو يشكل عليهم ، وهي الشريعة الصالحة لكل زمان ، الجديرة بالتطبيق في كل مكان .
ج- تحريم القول على الله تعالى بغير علم:
بما أن الفتوى بيان لأحكام الله ، والمفتي في ذلك موقع عن الله فإن القول على الله تعالى بغير علم من أعظم الحرمات لما فيه من جرأة وافتراء على الله وإغواء وإضلال للناس ، وهو من كبائر الإثم .
أما أنه من كبائر الإثم فلقول الحق تبارك وتعالى { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 33] .
فقد قرن الله تعالى القول عليه بغير علم بالفواحش الظاهرة والباطنة والإثم والبغي والشرك للدلالة على عظم هذا الذنب وقبح هذا الفعل .
(1) إعلام الموقعين 1/10.