…وقد كان هذا هو ما يتناسب مع طبيعة التقاضي - في الصدر الأول - وبساطة التعامل مما كانت تحقق معه العدالة بأيسر السبل ، ومع اتجاه التعامل نحو التعقيد والتشابك وتزايد المشاكل والخصومات اجتهد الفقهاء في وضع الإجراءات التي تسهل التقاضي وتنظم عرض الدعاوي بما يتناسب مع متغيرات كل عصر ، يكشف عن هذا ابن أبي الدم بقوله (1) :"قال الشافعي - رحمه الله -: ينبغي للحاكم ألا يتخذ حاجبًا ، ومن أصحابنا من قال: هذا في حال سكون الناس وخيرهم واجتماعهم على التقوى ، فأما إذا كثر الهرج والسفهاء واستطال الأغنياء استحب له أن يتخذ حاجبًا."
…وقال القاضي أبو الطيب الطبري: يستحب له أن يتخذ حاجبًا يقوم على رأسه إذا قعد للقضاء ليقدم الخصوم ويؤخرهم ، وقال صاحب المقنع (2) الحنبلي في أدب القاضي"ولا يتخذ حاجبًا ولا بوابًا إلا في غير مجلس الحكم إن شاء"وهنا إجراءات فقط وهو الصيح، ولا سيما في زمننا هذا مع فساد العوام ، فإنه متى كان للحاكم حاجب رتب الخصوم وقدم من حضر أولًا على من تأخر ، ومنعهم من المخاصمة على التقدم والتأخر ، وزجر الظالم منهم ، وأخذ بيد المظلوم ، وفيه أبهة عظيمة للحاكم ، ومنصبه لا يخفى ، ولكل زمن أحوال ومراسم تقتضيه وتناسبه"."
…ولذا فإن لولي الأمر في كل زمن أن يضع من الإجراءات ما يوفر حق التقاضي ويسهل سبيله لجميع الناس ، وتتحقق به المساواة بينهم في عرض دعاواهم ، ويمنع تزاحمهم في رفعها ، وما ينتظم به نظر الدعاوي ، ويمنع تقديم بعضها على بعض. بل إن وضع هذه الإجراءات من مسؤوليات ولي الأمر وواجباته باعتبارها من متطلبات إقامة العدل بين الناس.
(1) في كتابه أدب القضاء ص 106، 107 ، وانظر الماوردي: أدب القاضي ج1 ، ص 201.
(2) ص 327.