…وهي على العكس من النوع الأول؛ فإن دلالة القرائن على مدلولاتها تتفاوت في القوة والضعف تفاوتا كبيرا . وإنها قد تصل إلى درجة القطع وتكون القرينة القاطعة ، وقد تضعف حتى تنزل دلالتها إلى مجرد الاحتمال فتكون ضعيفة فلا يصح الاعتماد عليها وحدها في ترتيب الحكم عليها بل لا بد من ضمّها إلى الدليل أو اجتماعها مع قرائن أخرى لتكتسب الحجية . (1)
…ومثالها إذا وجد رجل مع امرأة غريبة عنه في مكان مظلم، ولم ير أحد ممن شاهدهما حدوث ما يستوجب إقامة الحد عليهما ، فإن مجرد وجودهما في موضع ريبة لا يكفي لإثبات الحد عليهما ، وإنما يجب التعزير بما يناسب .
وهذه القرينة لم يعتمد عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحدها في ترتيب الحكم عليها ، فقد ثبت أنه عزّر رجلا وجد مع امرأة بعد العتمة في ريبة بضربه دون المائة جلدة .
فهي التي تكون دلالتها تقبل إثبات العكس (2) . وفي هذا النوع ستتم مناقشة القرائن الحديثة مثل تحليل الدم، والبصمة الوراثية، وDNA، وغيرها من الوسائل كما سيأتي.
ثالثا - القرينة الكاذبة
…وأحيانا يسمونها وهم أو القرينة المتوهمة ، وهي التي لا تفيد شيئا من العلم ولا من الظن ولا يترتب عليها حكم ، فليست لها دلالة .
…ومثالها ما جاء في قوله تعالى: { وجاءوا على قميصه بدم كذب، قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} (3) .
…فإن وجود الدم على القميص قرينة على القتل في حدّ ذاتها، لكن لما عارضتها قرينة أخرى أقوى منها تدل على عدم القتل وهي عدم تخريق القميص، دّل ذلك على أن القرينة الأولى قرينة كاذبة لا دلالة لها على القتل، ولذلك ساغ التعبير عنها بالكذب في قوله تعالى: { وجاءوا على قميصه بدم كذب} . (4)
(1) إبراهيم بن محمد الفائز . الإثبات بالقرائن في الفقه الإسلامي: ص 68
(2) - رواس قلعة جي، 1996م.معجم لغة الفقهاء، ط1. بيروت: دار النفائس. ص 330.
(3) سورة يوسف آية رقم 18
(4) سورة يوسف آية رقم 18