هذا التوازن الكامل بين ما يجب للمجتمع ،وما يجب للمجرم هو أحد الجوانب التى عجزت عنه عقول فقهاء القوانين الوضعية عبر القرون ؛وبدا التضارب بين آرائهم فيما يبتدعه كل واحد منهم من نظريات تميل نحو المجتمع وترجح جانبه،في حين تغفل جانب المجرم إلى حد الإهمال ،ويذهب الاجتهاد بالآخرين في ترجيح جانب المجرم وإعطائه الاعتبار الأكبر والأول على المجتمع ،وهكذا تتعارض الآراء دون التقاء،وما هذا إلا لأن استيعاب جوانب كافة الأطراف في الجريمة ومراعاة كل منها ،والجمع بينها دون حيف ليس في مقدور البشر وطاقتهم .وقد نبه إلى هذا الجانب الكثير من الفقهاء والدارسين في مقارناتهم الفقهية وأشاد به المفكرون المسلمون في دراساتهم،لتبرز هذه الميزة أحكام العقوبات في الشريعة الإسلامية وتطبيقها القضائى حيث عد ذلك من عوامل تفردها وتميزها ،يقول الأستاذ محمد قطب منبها على هذه الحقيقة:"أما الإسلام فله رأى في الجريمة والعقاب ينفرد به بين كل نظم الأرض ،يمسك فيه بميزان العدالة المطلقة- بقدر ما يتحقق في دنيا البشر- فلا يسرف في تقديس حقوق الجماعة ،ولا يسرف في تقديس حقوق الفرد ،ولا يميل مع واحد منهما على حساب الآخر ؛وذلك تبعًا لنظريته المتوازنة التى ينظر بها إلى الناس ،لامن واقعهم الأرضى المحدود ولا من زواياهم المتضاربة بل ينظر إليهم من أعلى ،من السماء ، فيراهم كلهم في لحظة واحدة بنظرة واحدة شاملة،تدرك مساربهم المتشعبة ،وهى كامنة في داخل نفوسهم ،أو هى أعمال صريحة من واقع الحياة ،فحينذاك لا يبدون فردًا وجماعة منفصلين ،متقابلين ،بل يبدون وشائج متصلة وعلاقات متداخلة لا يمكن فصل بعضها عن بعض ويبدو الكون لا خيرًا خالصًا ولا شرًا خالصًا وإنما نسيج من هذا وذاك ،ينبع الخير من الشر كما ينبع الشر من الخير ويد النساج الماهر تأخذ من هذا الخيط ومن ذاك ،فتكون منهما نسيج البشرية !"