لقد بدأ جيل اليوم يفقد الكثير الضروري لتكوين الرؤية السليمة لكل ما يحيط به من مواقف وقيم واتجاهات ومعايير معقدة وغريبة، بل ومتناقضة أحيانًا، الأمر الذي جعله يفتقر إلى إمكانات احتواء التوافق الاجتماعي المطلوب. كما بدأ الأباء يستصرخون ضمير العلماء والمصلحين ورجال القانون لمساعدتهم على مواجهة آثار خيبتهم مما يعانيه أبناؤهم من قلق وضياع ورفض وتمرد وتمزق. إن مجموع ما يتلقاه الطفل العربي من المؤثرات الوافدة من خلال المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية يقود إلى انفصام في وجدان الطفل، فتضطرب في داخله الرؤى والرموز، وينشأ لديه ألوان من الصراع في سلوكه الاجتماعي والثقافي. وتقتحم الرؤى والرموز الثقافية الغربية من لغة وأدب وفنون وألعاب واحتفالات وأسلوب حياة ومأكل ومشرب وملبس وعلاقات، حياة الطفل شيئًا فشيئًا، ثم يمضي الأمر إلى أن تغدو الرؤى والرموز الثقافية العربية غريبة في ذهن الطفل، لا يعيشها ولا ينسجم معها، بل يحس تجاهها بشيء من اللَّبس والاضطراب وربما الخجل والحياء، ثم ما يلبث هذا الأمر إلى أن يتحول إلى ظاهرة تشمل فئة واسعة من المجتمع. (1) والحقيقة أن صرخة الآباء تجاه ما آلت إليه أوضاع أبنائهم من جراء ما يتلقونه من إعلام مشوه لهويتهم عبر وسائل الاتصال المعلومة، جاء نتيجة تطور المجتمعات. ومع مرور الزمن اقتطعت هذه المؤسسات جزءًا كبيرًا من الوظيفة التقليدية للأسرة، فوسائل الإعلام، ولاسيما في شكلها السمعي والبصري، باتت هي اليوم تشكل بيئة الجيل التقليدية. صحيح أنها بيئة مصنوعة ومكيفة، ولكنها بالتحديد أشد تأثيرًا في شعور ولا شعور الطفل معًا من البيئة الطبيعية وأقدر منها على تشكيل ذهنيته وشخصيته وصياغة إرادته وتأطيرها وتوجيهها. إن الانعكاسات التي طرأت على الأسرة والمجتمع بشكل عام بسبب بروز وسائط جديدة كالتلفاز، جعلها في أزمة بسبب هذه التحولات الاجتماعية التي باتت تعزز