الصفحة 14 من 25

وإذا كان الشرع يتطلع إلى إثبات النسب ، والبصمة الوراثية قرينة دقيقة على إثبات النسب، ونسبة الخطأ فيها منتفية أو شبه منتفيه ، فإنها حجة قوية معتبرة على إثبات النسب الذي أقر الفقهاء ثبوته بالشهاة أو بالتسامع والشهرة أو القيافة عند بعضهم ، وهذه كلها مبنية على غلبة الظن وحصول الخطأ فيها أمر محتمل ، وهو أعلى من احتمال ورود الخطأ في البصمة الوراثية .

الدليل الثالث:

أن البينة هي كل ما يبين الحق ويظهره ، ولا تختص بشهادة الشهود ، وقد تصدى ابن القيم لهذا فقال:"وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره . ومن خصها بالشاهدين أوالأربعة أو الشاهد لم يوف مسماها حقه . ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الشاهدان ، وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان ، مفردة ومجموعة . وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعي"المراد به: أن عليه ما يصحح دعواه ليحكم له ، والشاهدان من البينة . ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها كدلالة الحال على صدق المدعي ، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد . والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة: متقاربة في المعنى . وقد روى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبدالله قال: أردت السفر إلى خيبر ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت: غني أريد الخروج إلى خيبر . فقال:"إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا ، فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته" (1) فهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب على مجرد العلامة ، وإقامة لها مقام الشاهد ."

فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال ، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهدا لها بالاعتبار ن مرتبا عليها الأحكام" (2) ."

الدليل الرابع:

(1) أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب القضاء ، باب في الوكالة ص521 رقم الحديث 3632 .

(2) الطرق الحكمية لابن القيم ص 12 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت