من المقاصد التي يهدف التقنين إلى تحقيقها: إقامة شرع الله وإحقاق الحق، ومما ييسر ذلك: الالتزام بالقضاء بأرجح الأقوال، وقد امتدح الله عباده الذين يأخذون بالأرجح في قوله تعالى: { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ( من الآية 18: سورة الزمر) ، ففي التقنين حث على الاجتهاد بالنظر في أقوال العلماء لاختيار أرجحها، وقد أجاز المالكية أن يحكم القاضي بالراجح من مذهب إمامه أو أصحاب إمامه لا بمذهب غيره، ولا بالضعيف من مذهبه (1) . ونسب ابن قدامة إلى بعض العلماء جواز الحكم بالتقليد لأن الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين (2) .
وإذا قلنا بجواز الحكم بالتقليد أو الأخذ بالراجح من مذهب الإمام فما المانع من القول بجواز الأخذ بالراجح من أقوال الأئمة إذا أدت إلى إقامة شرع الله وإحقاق الحق دون تعصب لرأي أو جمود على مذهب، وقد أمرنا الله بذلك في قوله: { فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } ( من الآية 26 سورة ص) والالتزام بقول دون غيره له من الأدلة ما يبرره ما دام لا يخرج عن إقامة شرع الله وإحقاق الحق. ولعل ما يبرر ذلك:
قلة الوازع الديني عند بعض القضاة مقرونا بقلة العلم، مما يجعل لهوى النفس نصيب في الأحكام القضائية ما لم تقنن.
صعوبة الرجوع إلى المصادر الأصلية والمراجع الأساسية لصعوبة العبارة أحيانا، وغموض الأسلوب، مما يدفع بالقضاة والمحامين من غير المختصين بالشريعة غير قادرين على الاستفادة من هذه المصادر والمراجع.
إحجام بعض الناس عن رفع قضاياهم إلى المحاكم الشرعية، ورفعها إلى المحاكم الوضعية لما يلحظونه من اختلافات في أحكام القضايا المتشابهة، ولا يخفى ما فيه ذا من احتكام للطاغوت، وهروب من إقامة شرع الله.
(1) الشرح الكبير والدسوقي على مختصر خليل 4/130.
(2) ابن قدامة: المغني 9/41.