…تحقيق لمبدأ الوحدة بين الدنيا والآخرة، ولعظمة المسؤولية المنوطة على القاضي الشرعي فإن ذلك يحتم عليه أن يكون لديه طاقة إيمانية عالية؛ لتجاوز ظغوط الواقع المادي الأثيم الذي يستسلم لسطوة الهوى، وتعبيد الناس لبعضهم بعضا، وتفشي سرطان الانا، وسيادة الفردية المطلقة الملتصقة بالوحل والهبوط الأرضي فإن هذه الطاقة بلا ريب تمنحه نور الصدر، وسعة الأفق، وسرعة البديهة، والفراسة عالية، والرؤية ثاقبة، والصفاء في العقل، وحس إيماني يعينه على تفريق الحق من الباطل:"واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم" (البقرة 282) .
…فالدفعة المعرفية لا بد أن يصاحبها دفعة روحية تتأزر وتتناغم معها بتوازن محكم دقيق، فلا نريد أقزام في الجوانب الروحية وعمالقة في الجوانب المعرفية، فلا بد من اجتماع العلم والإيمان، وإن النهوض بأحدهما يكون رافدًا للرفعة والرقي برتبة الآخر.
…ويقول ابن تيمية:"يقدم الأورع من القضاة على الأعلم قيمًا يظهر فيه الحكم ويخاف منه الهوى، وتقديم هذا الأخير قيمًا يدق فيه الحكم ويخاف فيه الاشتباه" (1) .
…ومن المعينات والبواعث على تحقيق ذلك:
جاء في أدب القاضي للماوردي عند بحثه آداب القاضي:"ويصلي عند التأهب للجلوس ركعتين ... ويدعو الله بعدها... وكان رسول الله إذ خرج من بيته قال: اللهم أني أعوذ بك أن أزل أو أزل، أو أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ، أو اعتدى أو يعتدى علي، اللهم أعني بالعلم، وزيني بالحكم، وأكرمني بالتقوى، حتى لا أنطق إلا بالحق، ولا أقضي إلا بالعدل ويستحب أن يقول هذا إذا جلس للحكم..." (2) .
(1) … ابن تيمية، السياسة الشرعية، بيروت - دار المعرفة - د. ت. ص180.
(2) …الإمام أبو الحسن الماوردي ، أدب القاضي، تحقيق مجيء سرحان، بغداد - مطبعة الإرشاد، 1971. ج1، ص218. .