ولعله من المناسب في هذا المقام أن أشير إلى أن الحقيقة الفنية في هذه المسألة والتي تخالف ما ذهب إليه ابن قدامه وتوافق ما ذهب إليه مخالفوه من الفقهاء ، لا يرجع الفضل في كشفها إلى العلم الحديث فحسب بل ذلك مؤكد في الطب القديم ، فابن رشد وهو فقيه وطبيب أكد من قبل الطب الحديث حقيقة ان الماء الذي تنزله المرأة عند الجماع لا مدخل له في تخلق الولد أي الإنجاب، مثبتًا ذلك في كتابه الكليات في الطب بالنقل والتجربة والاستقراء ، وأستحسن هنا عرض كلامه نصًا لما فيه من بيان كافي ، يقول ابن رشد:"فأما من أين يظهر انه ليس لمني المرأة مدخل في الولادة ، فمن الحس والقياس ، أما من الحس فإن أرسطو طاليس يرى أن المرأة قد تحمل دون المني، فمذ سمعت كلام أرسطو لم أزل أتعمد حس ذلك فوجدت التجربة صحيحة وسألت النساء عن ذلك فاخبرنني أنهن كثيرًا ما يحملن دون أن تكون منهن لذة ، فمم يشهد على ان مني المرأة ليس هو هيولي للمولود أن نساء كثيرة يحملن دون أن ينزلن بالمني .... وأيضًا فإنا نجد الرحم تقذف بالمني إلى خارج وتجذب مني الرجل إلى داخل، وهذا كله مما يدل على أن مني المرأة رطوبة فضلية تسيل عند اللذة، كما يسيل اللعاب من فم الجائع المبصر للطعام"أ.هـ. (1) .
(1) الكليات في الطب لابن رشد ، تحقيق وتعليق د. سعيد شيبان ، د. عمار الطالبي ، المجلس الأعلى للثقافة بالتعاون مع الاتحاد الدولي للأكاديميات 1989م ، ص 68 ما بعدها