ولعل الأقرب إلى الحقيقة أن الإمام أبا حنيفة لم يكن بهذا الرأي ظاهريًا بل كان والحنفية من بعده افتراضيين فوق العادة ، ويبدو هذا جليًا من خلال ما دار من مناقشات بينهم وبين مخالفيهم من جمهور الفقهاء حول بعض المسائل المتفرعة افتراضًا عن هذا الخلاف ، عرض بعضًا منها ابن قدامة في المغني فقال (1) :"لو تزوج رجل امرأة في مجلس ، ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم ، ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر من حين العقد (2) ، أو تزوج مشرقي بمغربية (3) ، ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد ، لم يلحقه."
وبذلك قال مالك ، والشافعي ، وقال أبو حنيفة: يلحقه نسبه ، لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل ، ألا ترى أنكم إذا قلتم: إذا مضى زمان الإمكان، لحق الولد ، وإن علم أنه لم يحصل منه الوطء (4) .
(1) المغني لابن قدامة جـ11، ص168 وما بعدها.
(2) ولا شك أن تصور الوطء أو العلوق في هذه الصورة ممتنع بشكل مؤكد.
(3) رغم أن تصور الوطء والعلوق يبدو ممتنعًا في هذه الصورة أيضًا إلا أن الحنفية افترضوه بما إذا كان أحد الزوجين مستخدمًا للجن أو الطيران أو غير ذلك مما لا يقبله آنذاك إلا الخيال، ورغم ما يبدو في ذلك من غلو في الخيالية إلا أن هذه الصورة قد أضحت في ظل المستجدات الحديثة في مجال التلقيح الصناعي صورة واقعية ملموسة وقع العمل بها.
(4) الكلام لابن قدامه في المغني الموضع السابق ، ومعنى ما ذكره عنهم تفيض به مصادرهم انظر مثلًا: حاشية ابن عابدين المسمى رد المحتار على الدر المختار ، مصطفى البابي الحلبي جـ3 ص 512 ، وشرح فتح القدير جـ4 ص 350 .