كان من أهم العوامل التي عملت على تنحية القضاء الشرعي في مصر أسباب عديدة منها:
الاستعمار . لقد ابتليت بلاد إسلامية كثيرة بالاستعمار ،وحين وقع الاستعمار أراد أن يأكلها ويلتهمها التهاما .
فقد أراد المستعمر عزل المجتمع الإسلامي كلية عن ماضيه ، وعن تراثه العقلي ، والروحي
والتوجيهي ، والسلوكي فإذا ما تم عزله أصبحت قيادته ميسرة وطيعة للمستعمر ، وبالأخص
للأجيال التي تنشأ في ظل هذه العزلة .
وكان الطريق الذي سلكه للعزل والحيلولة دون رؤية الماضي مزدوجا:
مرة بتمجيد التقدم العلمي الأوروبي في نظر المسلم ، وإبراز خصائص الحضارة الغربية
المادية أمامهم . ومرة أخرى بالتزهيد أو التنفير من تراث الأمة الإسلامية بالتقليل من شأنه
والحط من قيمه ، وإبراز عدم فاعليته أو عدم صلاحيته لحياة الإنسان ، والادعاء بأن ما مر
في تاريخ الأمة الإسلامية يرجع جميعه إلى مبادئ الإسلام وتعاليمه ذاتها وعلى الخصوص
ما كان منه ضعيفا وهزيلا في التفكير ، وفى الفقه ، والتشريع ، وفى شيوع الفرقة المذهبية
والطائفية والشعوبية ،والجهل والأمية في قرونه الأخيرة ، وإما أن الإسلام نفسه كدين لم يكن
وحيا إلهيا ، كما لم يكن وضعا وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقلا به عن
المسيحية،وإنما كان تلفيقا منها ومن عقائد أخرى ، جعله لا يرتفع به إلى مستوى الإنسانية ،
وما يجب في علاقات الأفراد ببعضهم من المحبة والمودة ذلك المستوى الذي تؤكده
المسيحية ( 5 ) .
وحين دخل الاستعمار ديار المسلمين كان يحمل بين جنباته روحا صليبية لم يستطع الساسة
العسكريون أن يخفوها بما يخفيها السياسيون المداهنون ، ألم يقل القائدالعسكرى البريطاني
اللبني سنة 1917 عبارته التي تؤكد الحق على الإسلام وهى: اليوم انتهت الحروب الصليبية
نعم بعد ستة قرون ما زال النصارى يتذكرون هزيمة المسلمون لهم .