الصفحة 4 من 38

وهذا يتفق مع المنهج الإسلامي في التركيز على العنصر البشري المهم والأساسي في تحقيق الأداء في جميع المجالات، ليس على مجرد الأمور المادية، ولا التشريعية، ولا على مجرد الأحكام، ولو كانت سماوية، فالعبرة في الجهاد والقتال للجندي والقادة، والمهم في التعليم المدرس والمعلم، والأمل في الحكم والدولة بالإمام والخليفة، وهكذا، ولذلك حرص الشرع الحنيف على حسن اختيار القضاة، والتركيز على شروطهم، والاهتمام في أحوالهم، لضمان تحقيق الأهداف المرجوة، والمقصودة من القضاء والسلطة القضائية.

وتحقق هذا الهدف في القضاء الشرعي، وكان القضاة المسلمون مضرب المثل في تاريخ البشرية في القضاء، وكانت وظيفة القاضي من أسمى الوظائف، وأنبل الأعمال، وكان القاضي يحاط بالهيبة، ويقرن بالإجلال والاحترام، وكان مكانته تفوق - أحيانًا - مكانة الخلفاء والولاة والحكام.

وأثبت القضاة - في ظل الشريعة الإسلامية - سمو مركزهم، وعلو منزلتهم، ونزاهة عملهم، حتى كسبوا محبة الناس، ونالوا الثقة الكاملة، وكانوا محط أنظارهم وآمالهم ورجائهم.

وبلغ من محبة الناس للقضاة وثقتهم بهم، وأنهم يمثلون الشرع الصحيح، أن أصبح الولاة والأمراء يفكرون طويلًا إذا حدثتهم أنفسهم بالإقدام على عزلهم بدون سبب شرعي، حتى لا يتعرضوا لكراهية الجمهور الذي ينحاز للقضاة، ويتخلى عن الحكام، وكان هذا الموقف نواة الحصانة القضائية التي حصل عليها القضاة منذ العصر العباسي حتى وقتنا الحاضر، بل كان الولاة والحكام يهابون القضاة، ويخشون جانبهم، والأمثلة كثيرة، منها قصة العز بن عبد السلام في دمشق والقاهرة، وقصة أبي حامد الإسفرايني مع الخليفة في بغداد (1) .

(1) انظر: القضاء في الإسلام، عطية مشرفة ص159، 162، التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي، الدكتور محمد الزحيلي ص85، تاريخ القضاء في الإسلام (في العهد العباسي) ص216، 303.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت