طبيعة الدعوة وموقف الناس منها: جعل الله - سبحانه وتعالى - رسالةَ نبيِّنا محمدٍٍ - صلى الله عليه وسلم - رسالةً خاتمة، تهدف إلى ردِّ البشرية كلِّها إلى الله تعالى والخضوع لدينه، ليكون ذلك سبيلًا إلى تحريرها حرية حقيقية كاملة، عندما تتحرر من كل عبودية لغير الله تعالى. فانقسم الناس عندئذ قسمين: فمنهم من فتح قلبه وعقله للهدى والنور، فآمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وصدَّق بما جاء به من عند الله تعالى، ومنهم من أغلق قلبه وعقله، وجعل على بصره غشاوة، فكفر وكذَّب؛ فكانوا بذلك فريقين اثنين: { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقّ عَلَيْهِمُ الضّلاَلَةُ } ( [2] ) . { ذَلِكَ بِأَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ اتّبَعُواْ الْبَاطِلَ وَأَنّ الّذِينَ آمَنُواْ اتّبَعُواْ الْحَقّ مِن ربّهِمْ } ( [3] ) .
وعندما كتب الله تعالى النصر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وأظهر دينه على الدين كله ( [4] ) ، أصبح للمسلمين دولة تضم جميع المؤمنين بالله تعالى الموحِّدين له، ترفرف عليها راية التوحيد، وتقيم الحقَّ والعدل بين الناس، وتدعو إلى الإنصاف والقسط. لم يكن من أهدافها العلوّ في الأرض ولا مجرد بسط السيطرة والنفوذ، ولا إكراه الناس على الدين، فتركتهم وما يختارون، عندما يخضعون لسلطان الإسلام وسيادة أحكامه، بعد أن أزاحت العقبات من طريق الدعوة الإسلامية، وخلَّت بينها وبين الناس ليختاروا ـ عندما يكون لهم الاختيار ـ عن طواعية وإرادة.
قواعد العلاقات بين الناس: وأقام الإسلام قواعد العلاقات بين الناس على افتراض أنهم إمَّا مؤمنون، وإما معاهَدون، وإما لا عهد لهم ( [5] ) . وفي هذا يقول عبد الله بن عباس ـرضي الله عنهماـ: (( كان المشركون على منزلتين من النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حربٍ يقاتلهم ويقاتلونه، و مشركي أهل عهدٍ لا يقاتلهم ولا يقاتلونه ) ) ( [6] ) .