وخالف في ذلك إسحاق بن راهويه وعطاء بن أبي رباح قالا: لا يصوم حتي يراه آخر معه.
قال ابن رشد: فإن العلماء أجمعوا على أن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه أن يصوم إلا عطاء بن أبي رباح وهذا لا معنى له، فإن النبي قد أوجب الصوم والفطر للرؤية والرؤية إنما تكون بالحس. أهـ
والله يقول: {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} .
وقال تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ.
وأما الخبر .. ففيه عدة أقوال:
القول الأول: قد ذهب الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر إلى أن الهلال يثبت بخبر الواحد وهذا هو الصواب الذي دافع ونافح عنه النووي في المجموع، وابن حزم وابن المنذر وغير واحد؛ لأنه ثبت عند أبي داود والدارقطني بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلاَلَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ.
ووجه الدلالة أن رسول لله قد صام بخبر واحد وهو ابن عمر.
وروي أصحاب السنن أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس أنه جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا بِلاَلُ , أَذِّنْ فِى النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا.
لكن هذا الحديث من طريق سماك بن حرب وسماك لا يتحمل التفرد، إذا تفرد بأصل لم يكن حجة.
بالإضافة إلى أن الكثير من أهل العلم أعلَّوا الحديث بالإرسال وقالوا: الصحيح أنه مرسل لا يذكر فيه ابن عباس، فالحديث لا يصح.
قال ابن حزم: وَقَدْ صَحَّ فِي الدِّينِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ; فَهُوَ مَقْبُولٌ فِي كُلِّ مَكَان, إلا حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ لاَ يُقْبَلَ إلاَّ عَدَدٌ سَمَّاهُ لَنَا.
فهذه حجة الفريق الأول وهي حجة واضحة، حديث صحيح وقاعدة ينبغي أن تتبع في جميع أمور الدين - قبول خبر االواحد إذا كان عدلًا ضابطًا -.
القول الثاني: وهو مذهب مالك والثوري والليث ابن سعد والشافعي في قول له أنه لابد من اشتراط شاهدين ولا يكفي الشاهد الواحد.