فكأن أبو حنيفة قاس النية في الصيام علي النية في الوضوء فقال: يكفي مطلق النية. وهذا خطأ؛ لأن العبادات لايقاس بعضها علي بعض وكل عبادة منها موقوفة علي دليلها؛ لأنه إذا ألحق الصيام بالوضوء فليس أولي بمن ألحق الصيام بالصلاة.
كذلك قول أبو حنيفة أنه إذا نوي غير صيام رمضان أجزأه وينقلب إلي صيام رمضان، هذه المسألة لها مثال في الشرع: وهذا المثال له صورة واحدة وهي: إذا نوي الإنسان أن يحج حج تطوع ولم يكن حج الفريضة فإنه يجزأه إلي حج الفريضة.
ومما يدل علي ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ
أَنَّ النَّبِىَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: أَخٌ لِى أَوْ قَرِيبٌ لِى قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لا َ. قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ
وفي لفظ صحيح قال: فهذه عن نفسك وحج عن شبرمة.
لكن هذا الحديث يدل علي أن هذه العبادة فقط التي تحول وأما ما عداها من العبادات فلا؛ لأن ذلك ليس بأولي من إلحاق غير الصيام بالحج.
فمحصل الأمر أن نقول: كل عبادة موقوفة علي دليلها ولا يصح أن نقيس عبادة علي عبادة؛ لأن هذا القياس قد يعارض بقياس نفس هذه العبادة علي عبادات أخري.
والأئمة قالوا: في جميع العبادات يشترط في النية تحديد نوع هذه العبادة التي سيفعلها، فمثلًا في الصلاة لا يجزأه أن يصلي أربع ركعات في وقت الظهر بغير نية الظهر فلابد أن يحدد إن كان ظهرًا فظهر وإن كان عصرًا فعصر وهكذا ...
المسألة الثالثة متي يوقع المرء هذه النية حتي تكون مجزأة [1]
بمعني: ما هو الوقت الذي يوقع المرء فيه هذه النية؟
ذهب مالك والليث وأهل الظاهر إلي أنه: لابد من إيقاع النية قبل الفجر في صيام الفرض والنفل ولو أوقع النية بعد الفجر لم يصح صيامه وذلك لعموم قول النبي: من لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ.
وذهب أحمد والشافعي إلي أنه: لابد من إيقاع النية قبل الفجر في صيام الفرض.
(1) - وقد سئل حفظه الله هل السحور يعتبر نية؟ فقال: نعم يعتبر نية.