"... ولنعد الآن نذكر ما وفق الله إليه المسلمين، وملوكهم، وأولي الثراء منهم من بناء المدارس، والمساكن لطلبة العلم، والمجاورين بمكة، بل ولمن يفد من ممالكهم ليسكنوها زمن أدائهم للفريضة مجانًا."
ولو أردنا استيعاب ذلك كله لطال بنا القول، ولكن سأذكر بعض ما شهدته قائمًا من دور شُيدّتَ لطلبة العلم، وُنُزلًا للحجاج، والوافدين، والمجاورين، وغير ذلك من أعمال البرّ والرعاية، وإني لأعتقد جازمًا أن جميع ما كان ملتفًا حول المسجد من مبان، ودور كانت كلها، أو جُلَّها من الأوقاف التي خصصت للعناية بالعلم وطلبته، وما كان منشأ إطلاق المكيين عليها كلمة (مدارس) إلا بهذا السبب، ولكن لكثرة الفتن، وما حاق بالمسلمين من كوارث في معظم أقطارهم أضاع الكثير مما كان موقوفًا، ومخصصًا ريعه للإنفاق عليها، وتحقيق الغاية التي أنشئت لأجلها، كما أبان الأمير شكيب أرسلان عن ذلك ... فاستولى على المدارس من كان يسكنها، أو أحفادهم من طلبة العلم، واستولى على بعضها أولوا النفوذ والحكم، أو أصبحت تستعمل لغير ما بنيت له. .."."
ثم يستمر رحمه الله تعالى في تعداد بعض الأوقاف بمكة المكرمة، المعروفة على عهده الذي لا يبعد عن حاضرنا بأكثر من نصف قرن من الزمان تقريبًا قائلًا:
"فمدرسة قايتباي وهي أكبر ما أنشئ للدراسة بجوار المسجد الحرام، أنشأها أحد سلاطين المماليك المدعو (محمد قايتباي المحمودي) في القرن التاسع، وكانت هذه البناية تشغل حيزًا يبدأ مما كان يعرف قبل التوسعة (بباب السلام الصغير) إلى الباب المسمى (بباب النبي) من أبواب المسجد الحرام، وكان مما يلي المسجد منها، ويسمى بالمدارس نحو ست مدارس، وكان مما يلي المسعى نحو ستة دور مخصصة لسكن الطلبة، وكان للمدرسين والطلبة جرايات ونفقات من أوقاف"