فهرس الكتاب
والقائمين عليها، إضافة إلى إنشاء البيمارستانات للمرضى ودور الرعاية الاجتماعية والأسبلة، وغيرها من جوانب الخدمات الإنسانية الأخرى النافعة لعموم المسلمين [1] .
وشهد العصر الفاطمي في مصر توسعًا في أعمال الأوقاف، حيث وقّف الحاكم بأمر الله الفاطمي أوقافًا كثيرة للصرف على المساجد وغيرها من المؤسسات الخيرية، كذلك فعل الوزير الفاطمي الصالح طلائع بن رزيك المتوفى سنة 556 هـ (1160 م) [2] .
وفي الدولة الزنكية في بلاد الشام كثرت الأوقاف وتنوعت وشملت مختلف جوانب حياة الناس، خاصة في زمن الملك العادل نور الدين محمود ابن زنكي (541 - 569 هـ/ 1146 - 1174 م) الذي اشتهرت الدولة في عهده بالمسارعة في إقامة المنشآت والمرافق العامة، وتموينها عن طريق الأوقاف الدارّة عليها، فقد أمر نور الدين بإنشاء المدارس والخانقاهات، وأكثر منها في كل بلد، ووقّف عليها الوقوف الكثيرة، وأمر ببناء الربُط والخانات في الطرقات، فأمن الناس، وحفظت أموالهم [3] .
كما أقام بدمشق دارًا للحديث، ووقف عليها وعلى من بها من المشتغلين الوقوف الكثيرة. وهو أول من بنى دارًا للحديث في الإسلام. وبنى أيضًا في كثير من بلاده مكاتب للأيتام، وأجرى عليهم وعلى معلميهم الجرايات الوافرة، وبنى أيضًا مساجد كثيرة ووقّف عليها وعلى من يقرأ بها القرآن أوقافًا كثيرة. يقول العماد الأصفهاني عن ذلك:"ولو شغلت بإحصاء وقوفه وصدقاته في كل بلد لطال الكتاب ولم أبلغ إلى أمد" [4] .
ويضيف أبو شامة أنّ وقوف نور الدين في زمنه،"سنة ثمان وست مائة كل شهر تسعة آلاف دينار صورية، وليس فيها ملك غير صحيح شرعي ظاهرًا أو باطنًا فإنه وقّف ما انتقل إليه وورث عنه أو ما غلب عليه من بلاد الفرنج وصار سهمه" [5] .
ومن طريف الأوقاف التي تمت في عصر نور الدين محمود وأجملها ذلك القصر الذي بناه بربوة دمشق للفقراء، فإنه لما رأى قصور الأغنياء عزّ عليه ألا يستمتع الفقراء مثلهم بالحياة في هذه القصور، فعمّر ذلك القصر، ووقف عليه قرية داريا، وهي من أعظم قرى الغوطة وأغناها، وفي ذلك يقول تاج الدين الكندي:
إنّ نور الدين لما أن رأى ... * * * ... في البساتين قصور الأغنياء
عمّر الربوة قصرًا شاهقًا ... * * * ... نزهة مطلقة للفقراء
(1) راشد القحطاني، المرجع السابق (صـ 25) .
(2) المقريزي: تقي الدين أحمد بن علي (ت:845 هـ / 1441 م) : المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المعروف بـ (الخطط المقريزية) بيروت، دار صادر، (د. ت) ، 2/ 294 - 295. وقد فصل في ذلك محمد أمين، مرجع سابق، (صـ 60) .
(3) ابن الأثير: عز الدين علي بن أبي الكرم محمد الشيباني الجزري (ت: 630 هـ / 1232 م) . التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل، تحقيق: عبد القادر أحمد طليمات، القاهرة: دار الكتب الحديثة؛ بغداد: مكتبة المثنى، 1382 هـ (1963 م) . (صـ 171) ؛ أبو شامة، شهاب الدين، أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي (ت 665 هـ / 1266 م) . كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، تحقيق/ محمد حلمي محمد أحمد، القاهرة: لجنة التأليف والترجمة (1956 م) 1/ 22.
(4) البنداري: قوام الدين الفتح بن علي البنداري الأصفهاني (ت: 643 هـ / 1245 م) . سنا البرق الشامي، وهو مختصر البرق الشامي للعماد الأصفهاني. ق 1، تحقيق/ رمضان ششن، بيروت: دار الكتاب الجديد (1971 م) (صـ 144) .
(5) أبو شامة، الروضتين، 1/ 23.