وكان الناس يتسابقون إلى إقامة المساجد والصرف عليها، وحسبنا هنا أن تتذكر الأموال التي أنفقها الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك على بناء الجامع الأموي بدمشق مما لا يكاد يصدقه الإنسان لكثرتها [1] .
كما أنّ مما ذكر من مآثر نور الدين محمود بن زنكي أنه بنى في بلاده مساجد كثيرة، ووقّف عليها وعلى من يقرأ بها القرآن أوقافًا كثيرة، إذ يروي العماد الأصفهاني أنّ نور الدين أمر بإحصاء ما في محلات دمشق من مساجد هجرت أو خربت، فأناف على مائة مسجد، فأمر بعمارة ذلك كله وعيّن له أوقافًا دارّة [2] .
وتمدنا وثائق الأوقاف المسجلة في بلاد مصر في العصر المملوكي بكثير من المعلومات المرتبطة بإنشاء المساجد والصرف عليها، وعلى المشتغلين فيها، والقائمين عليها من أموال الأوقاف بما يضمن أداء رسالتها على الوجه المنوط بها حتى أنّ القلقشندي قال عنها إنها:"أكثر من أن تحصى، وأعز من أن تستقصى" [3] .
ثانيًا: الصرف على الحرمين الشريفين، وتسهيل تأدية فريضة الحج:
حظي الحرمان الشريفان بنصيب وافر من اهتمام الواقفين على مر العصور الإسلامية. ولم يقتصر الوقف على عمارتها وتوفير سبل الراحة لقاصديها، بل تعدى ذلك إلى الاهتمام بالوقف على كافة أمور الحياة في المدينتين الشريفتين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، أو ما يتصل بهما من أماكن، وكذلك الطرق الموصلة إليهما، وما يحتاجه من تسهيلات وخدمات، موسمية ودائمة، فوقفوا عليها أوقافًا جليلة، وتابعوا الإنفاق والصرف عليها من هذه الأوقاف، ويمكن إبراز صور ذلك وفق الآتي:
1 -أوقاف يُسْتَغَل ريعها للصرف المباشر والمستمر على عمارة وخدمة الحرمين والعاملين بهما.
2 -أوقاف تُسْتَغل في الخدمات العامة الدائمة بكل من مكة المكرمة والمدينة المنورة مثل الحمامات والبيمارستانات والأحواض والآبار في طريق الحج.
3 -نفقات مباشرة لإجراء إصلاحات وترميمات في الحرمين، أو صدقات أو إصلاح الطرق التي يسلكها الحجاج وتأمينها من اللصوص وقطاع الطرق [4] .
وضمن هذا النمط من الوقف ما ورد في أوقاف السلطان الأيوبي صلاح الدين الذي وقّف في مصر ثلث ناحية سندبيس من أعمال القيلوبية، وبلدة نقادة من عمل
(1) مصطفى السباعي. من روائع حضارتنا، (صـ 125) .
(2) البنداري: سنا البرق الشامي، (صـ 144) .
(3) القلقشندي: أبو العباس أحمد بن علي (ت: 821 هـ/ 1418 م) صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، نسخة مصور عن الطبعة الأميرية، القاهرة، وزارة الإرشاد القومي، (1936 م) ، ج 3، (صـ 365) .
(4) راشد القحطاني، أوقاف السلطان الأشرف شعبان (صـ 31.