* والحياة المعايشة اليوم يسودها تنافس شديد ، وكل مدير دائرة أو متمكن نزاع إلى بني جلدته ومعارفه يقدمهم ويدخر الفرص لهم، وخير لكل يتخرج أو يهاجر أن يطيل صبره وأن يدع التأفف، فإن الأرزاق مكتوبة، والوسطاء من إخوانه يأخذون بالأسباب ما أستطاعوا ، وليحسن بهم الظن، فإن لم ينل الوظيفة وزهدت الجامعات في طاقات فكرة فليس إلى المتخرجين والباحثين عن عمل أجمل من أن يتواضع ، وينزل إلى ميدان المهن وأعمال الخدمات المدنية ويأكل من عمل يده ، وليتحمل الشمس والبرد ، وله أن يفخر بقطرات عرق ترى على جبينه، أو رعشة في يده من إرهاق، فإن العمل شرف ، ومن التعسف أن يشترط لوظيفته أو مهنته أن تجلسه خلف مكتب وتحت مكيف هواء، وسيأتي الوقت الذي يدلف فيه إلى وظيفة مريحة أو تجارة رابحة).
* وهجرة من هارج إنما هي لله تعالى ، ولذلك لا يعيب المهاجر أن يفهم وضعه كما هو ، وأن يتكيف لحقائق الحياة الصعبة في دارة الهجرة ، ويعرف أنه محروم من كثير مما يتمتع به الناس ، بل مما يتمتع به بعض أصحابه المهاجرين وبخاصة في كماليات الحياة وزينتها، وليس له أن يرهق إخوانه بطلب جواز سفر مثلا للحج أو العمرة أو الاصطياف إذا كان أمنا في سرية ولا تشير السلطات في محل إقامته قضية الجواز ، وليتذكر خروجه يوم هجرته خائفا يترقب وليس بينه وبين الموت غير إصبع إذا الملأ يأتمرون به ليقتلوه ، فأمنه الله وتجاه وتربع في أرض المرابع.
* وأيما رجل منا شارك إخوانا له في تجارة فليعلم أنها تجارة كاسمها، فيها احتمال الخسارة وضياع المال، والتوفيق من الله تعالى، وليس كون ماله ( تحويشة العمر) بمعط له ميزة في رفع الصوت على أخيه الذي تولى الصفقة فوكس، ولا له حق التذمر الصاخب، وفي الشكوى الهادئة شيء من البأس كذلك وإن كانت أخف غلطًا.