أما أحمد عرابي فقد وقع في الأسر بعد أن أدى للإنجليز خدمة عظيمة، وكان سببًا في تسلطهم على بلاده، ولهذا فقد تدخلوا في أمر محاكمته ليعارضوا قتله! [1] ويكتفوا بنفيه عدة سنوات إلى جزيرة"سيلان"؛ ليعود بعد تلك السنين إلى بلاده ملومًا محسورًا، يتلقى كلمات الازدراء والإهانة من أبناء بلده الذين"تعاطفوا"معه في يومٍ ما، إلا أنهم انقلبوا عليه بعد أن تكشفت لهم نهاية"ثورته"و"تهييجه"، فأصبح الصغار يسيرون خلفه في الطرقات يشتمونه ويقرعونه بوصف"الخائن"!
يقول مصطفى كامل أحد الزعماء الوطنيين في مصر عن عرابي بعد عودته من منفاه: (ما عار الاحتلال وعار الجهالة والتأخر وعار الفقر بشيء يذكر إذا قورن بالعار الذي يحمله عرابي، ويُقرأ على وجهه أينما سار وحيثما حل، وأي عار أكبر وأشهر من عار رجل تهور جبانًا، واندفع جاهلًا، وساق أمته إلى مهواة الموت، والاستعباد الثقيل ... ) [2]
أخي الدكتور سعد: هذه حال أحمد عرابي قديمًا، تعاطف الإنجليز معه، واستدرجوه من حيث لا يشعر، ليحقق لهم ما يريدون، فهم كما قال الشاعر:
وما من حبه يحنو عليه ... ولكن بغض قومٍ آخرينا!
قام عرابي لينكر"الظلم"الواقع عليه وعلى بعض الجنود، وكان الحل يسيرًا لو لزم الطريق الشرعي في الإنكار، ولكن القوم لحاجة في نفوسهم، استغلوه وأججوا نار الفتنة حتى كبرت وتوقدت واستعصى حلها؛ لتنتهي بالاحتلال الأجنبي.
فهو كما قيل: أراد أن يبني قصرًا فهدم مصرًا
أخي الدكتور سعد: قام عرابي ينادي"بالإصلاح"ولكنه غفل عن أن الله قد أخبرنا في كتابه بأن الإصلاح نوعان:"إصلاح شرعي"مرجعيته التزام أوامر الله
(1) اختلف المؤرخون في أمر عرابي: هل كان"مستغفلا"من قبل الإنجليز - وهو الأرجح - أم كان عميلًا لهم؟
(2) الثورة العرابية، صلاح عيسى، ص 46.