أخي الدكتور سعد: هذه أحاديث نبوية صحيحة صريحة -وغيرها كثير- تبين لك المسلك الشرعي في التعامل مع ولاة الأمور. فليست هي -كما يفتري المفترون- من اختراع أهل السنة الذين يتهمهم خصومهم من أهل البدع؛ كالمعتزلة والخوارج ومن سار في طريقهم، بأنهم أهل خنوع تجاه الحكام! فهؤلاء المبتدعة - وأربأ بك أن تتابعهم -ما فهموا أن أهل السنة إنما مدار أمرهم وعباداتهم قائم على اتباع النصوص الشرعية وإن خالفت في الظاهر ما يعتقدونه من مصالح خادعة. وهم يعدون هذا قربة يتقربون بها إلى الله عز وجل؛ لأنه من تعظيم أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. (من يطع الرسول فقد أطاع الله) . ولم يفقه أهل البدع ومن شايعهم المصالح العظيمة التي تعود على الأمة حين تتبع نصيحة نبيها صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر العظيم؛ ومن أهم ذلك اتفاق كلمتها، والتمام شملها، وخذلان عدوها المتربص بها. يقول الحافظ ابن حجر: (الحكمة في الأمر بطاعتهم: المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد) . [1]
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن خالف هذه النصوص النبوية: (أكثر النفوس تزيل الشر بما هو شرٌ منه، وتزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم) . [2]
وأقوال العلماء الناصحين كثيرة في التحذير من هذا الأمر العظيم الذي لا يجلب على هذه الأمة إلا كل شر وفساد.
كما أن أهل البدع الشانئين لأهل السنة فاتهم أن البلاد التي عمل أهلها بأوامره صلى الله عليه وسلم في التعامل مع حكامهم ائتلفت كلمتها، وانتشر الخير فيها، وقرب حكامها منه؛ لما يرون من صدق الناصحين، وسلوكهم المسلك الرفيق. أما البلاد التي انتهج بعض أهلها مسلك أهل البدع في التشنيع على حكامهم، أو منازعتهم،
(1) فتح الباري (13/ 120) .
(2) عن:"معاملة الحكام .."ص 161.وانظر: منهاج السنة 3/ 392 - 394.