مثال آخر: حديث أبي هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) .
ومقصودنا هنا المتون لا الأسانيد، وأما أسانيد هذه الأحاديث فضعيفة.
فـ عائشة رضي الله عنها نظرت نظرة متفحصة في متن هذا الحديث فقالت: أنجس أبو هريرة الميت؟! وكذلك ابن عباس رضي الله عنه ما سمع هذا الحديث قال: أمن عيدان أحملها أتوضأ؟ فهنا كان النظر قويًا مع السيدة عائشة وابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن النظر في التعليل يدل على أنه لا حاجة للغسل من تغسيل الميت، ولا لزوم للوضوء من حمله؛ إذ قد بين النبي صلى الله عليه وسلم نواقض الوضوء ولم يذكر منها هذا.
فهذه دلالة كبيرة جدًا على أن الصحابة كانوا أيضًا يمحصون النظر، لكن بتأدب مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيوهمون الراوي أو يناقشون الراوي في المتن، فإن استطاع أن يجيب لهم عن الإشكالات أخذوا الحديث سمعًا وطاعة، ولم يكن الصحابة عند ظهور هذه الأمور المشكلة يبادرون كما يبادر الجهلاء والمغرضين إلى رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو رد كلام البخاري كما بينا قبل ذلك، فهم لم يكونوا كذلك وإنما أخذوا ينظرون ويقولون: كيف نجيب عن هذه الأدلة؟ لأننا نعلم أن الحديث إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق، فلا بد أن نجيب عن هذه الأدلة، فأعملوا النظر في الأدلة، ولما رأوا أن هناك اختلافًا وتعارضًا في الظاهر بين الأدلة قالوا: ننظر نظرة ممحصة، وهنا مجال للعقل الصحيح كي يجيب عن هذه الافتراضات وعن هذه الإشكالات، حتى تصفو لنا أحاديث النبي التي هي من مشكاة واحدة.