وفي مسألة التكفير مجموعة من القواعد لابد من الانتباه لها، وهي: القاعدة الأولى: أن الأمور العامة يجب أن تكون محل شورى عند أهل العلم، فمثلًا: بعض الناس قد يكفر ثم يبني على التكفير مجموعة من الأعمال، فنقول له: مثل هذه القضايا العامة يجب أن تكون بيد أهل الحل والعقد، وتكفير المعينين ليس من قضايا العقيدة التي يحاسب عليها الإنسان فالإنسان يحاسب يوم القيامة عن عقيدته في الأحكام الشرعية، وأما أسماء المعينين واختلاف الناس فيهم فلا يحاسب الإنسان عليها؛ لأن تتبع الشخص وهل وجدت فيه الشروط أم لم توجد، وهل انتفت عنه الموانع أم لم تنتف ليست من قضايا التكليف بالنسبة للإنسان أصلًا ولو كانت محل تكليف لكلف الناس أمرًا شططًا، وهذا غير موافق لتيسير الشريعة ويسرها، ولا لقول الله عز وجل: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] ، وليس كل أحد قادر على تتبع الناس.
فالمكلفون من أهل الإسلام ليسوا مطالبين بالحكم على المعينين من حيث الإسلام أو الكفر.
القاعدة الثانية: أن الأصل فيمن قال: لا إله إلا الله، والتزم بأحكام الشرع العامة بقاؤه على الإسلام، إلا إذا نقضه بناقض حقيقي.
القاعدة الثالثة: أن الخطأ في العذر خير من الخطأ في العقوبة، فأحيانًا قد يخطئ إنسان في إعذار إنسان يقول: لا إله إلا الله ويتحاكم مثلًا إلى القوانين الوضعية، فيقول: إنه مسلم، ولم يعرف هل وجدت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع وقد يكون مخطئًا ويكون هذا الشخص كافرًا عند الله عز وجل، ولكن خطؤه في العقوبة أشد، لكن خطؤه في الإعذار أخف؛ لأنه بقي على الأصل، وهو: أن من نطق الشهادتين فإنه مسلم.
وتبقى مشكلة أهل النفاق، ودائمًا أهل النفاق محل إشكال في الأمة منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا اختلف الصحابة فيهم ولم يكلف الصحابة في البحث عن أحوال المنافقين مادام أنهم يظهرون الإسلام، ولم يكلفوا في البحث عنهم هل هم مسلمون أو لا؟ وهل تأخرهم عن القتال في غزوة تبوك يعتبر مناط كفر أو لا؟ وهل قولهم: {لَئِنْ رَجَعْنَا} [المنافقون:8] كفر أو لا؟ فلم يكن هذا محل بحث عند الصحابة أصلًا بل إن أسماءهم لم تكن معروفة، وهذا يدل على المنهج النبوي في التعامل مع المنافقين وحالاتهم، وهذا الكلام يشمل أتباع المذاهب الفكرية المنحرفة، فنحن -مثلًا- نعتقد أن من النوازل في العصر الحاضر العلمانية ولا شك أن العلمانية هي عقيدة كفرية تناقض أسس الدين، ولكن الأشخاص المنتسبون إليها لا يحكم عليهم بالكفر ما دام أنهم يعلنون الشهادتين، إلا إذا وجدت فيهم الشروط وانتفت عنهم الموانع والإنسان ليس مكلفًا في البحث عن وجود هذه الشروط وانتفاء الموانع بالنسبة لأعيان المنافقين والعلمانيين، وإنما هو مطالب بكشف النفاق والعلمانية، وبفضح أحوالهما، وكشف أستارهما؛ حتى لا يضرا بالمجتمع الإسلامي، وهو مطالب بالاحتساب عليهم وعلى برامجهم الفاسدة وأما التكفير العيني للأشخاص فهذا مما يقع فيه الخلاف.