فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 389

ص -159- مدّة، ثمّ قطع أصحاب أبي بردة الطّريق على قوم جاءوا ليسلموا فنزل القرآن بإيجاب الحدّ عليهم على التّرتيب الّذي ذكر في الحديث والقرآن وإن كان فيه ما يدلّ على التّخيّر وهو كلمة أو فقد بيّن الحديث أنّه على التّفصيل.

وقوله تعالى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} 1 فالنّفي مشروع في حقّ من خوّف النّاس ولم يقتل ولم يأخذ المال والمراد بالنّفي من الأرض الحبس في السّجن عندنا وهو التّأويل الصّحيح وقد قال بعض الشّعراء في حبسه:

خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا

أي: خرجنا من الدّنيا من حيث المعنى إذ لا ننتفع بها ونحن من أهل الدّنيا من حيث الحقيقة إذ نحن على وجه الأرض فلسنا من الأحياء الّذين ينتفعون بحياتهم ولا من الموتى الّذين تخلّصوا من محن الدّنيا فإذا جاءنا صاحب السّجن قلنا جاء هذا من الدّنيا أي هو يتقلّب فيها حيث يشاء ونحن موقوفون في مكان واحد.

وعن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: أيّما قوم شهدوا على حدّ ولم يشهدوا عند حضرته فإنّما شهدوا عن ضغن ولا شهادة لهم يعني أيّ قوم وما صلة كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} 2 وقوله: شهدوا على حدّ ولم يشهدوا عند حضرته أي شهدوا على رجل أو امرأة بما يوجب الحدّ ولم يشهدوا بذلك حال ما وقع بل تقادم العهد ثمّ شهدوا فإنّما شهدوا عن ضغن أي كانوا مخيّرين عند الرّؤية بين أن يستروا عليه فلا يشهدوا وبين أن يحتسبوا فيشهدوا ليقام حدّ الشّرع فإذا لم يشهدوا دلّ على أنّهم اختاروا جانب السّتر فلمّا شهدوا بعد زمان فإنّما هاجهم على ذلك حقد فلم يكن عن حسبة فلا شهادة لهم أي لا قبول لشهادتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة المائدة: 33.

2 سورة آل عمران: 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت