ج / 9 ص -87- وعمل بقول ذلك الفقيه كان موسعا عليه أيضا لأن هذا نوع اجتهاد منه فإن عند تعارض الأقاويل ترجيح قول من هو أفقه منه نوع اجتهاد ألا ترى أن القاضي إذا لم يكن مجتهدا واختلف العلماء في حادثة كان عليه أن يأخذ بقول من هو أفقه عنده ويكون ذلك اجتهاد مثله وهنا أيضا إذا قدم رأى من هو أفقه منه على رأي نفسه كان ذلك نوع اجتهاد منه فكان موسعا عليه والله أعلم بالصواب.
باب الرجوع عن الشهادات
قال وإذا شهد ثمانية نفر على رجل بالزنى كل أربعة يشهدون على الزنى بامرأة على حدة فرجمه القاضي ثم رجع أربعة منهم عن الشهادة لم يضمنوا ولم يحدوا لأنه قد بقي على الشهادة أربعة منهم ولأن ما يثبته عليه شهادة الأربعة والمعتبر في مسائل الرجوع بقاء من بقي على الشهادة فإن بقي على الشهادة من تتم به الحجة لم يضمن الراجعون شيئا ولا يحدون أيضا لأنه غير محصن في حق أحد ما بقيت حجة تامة على زناة فإن رجع واحد من الآخرين أيضا فعلى الراجعين ربع الدية لأنه قد بقي على الشهادة من يستحق بشهادته ثلاثة أرباع النفس وإنما انعدمت الحجة في الربع فعلى الراجعين ذلك القدر وليس بعضهم بالوجوب عليه بأولى من البعض لأنه قبل شهادتهم جميعا ويحدون حد القذف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وفي قول محمد رحمه الله تعالى لا يحدون وكذلك إن رجع الفريقان جميعا فعليهم ضمان الدية ويحدون عندهما ولا حد عليهم عند محمد لأن كل أربعة أثبتوا بشهادتهم زنا آخر فالزنى بزينب غير الزنى بعمرة ففي حق كل فريق يجعل كان الفريق الأول ثابتون على الشهادة في حكم سقوط الإحصان ألا ترى أن شهود الزنى لو رجعوا وقذف المرجوم إنسان فلا حد على القاذف ويجعل في حقه كأنهم ثابتون على الشهادة وكذلك لو شهد أربعة سواهم أنه كان زانيا بعد رجوعه لا يحدون إلا أن هذا المعنى لا يعتبر في سقوط ضمان يدل النفس لأنه يؤدي إلى إهدار الدم ويعتبر في امتناع وجوب الحد عليهم لأن الحد يندرىء بالشبهات وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا هم في حق الرجوع كالشاهدين عليه بزنا واحد لأن المقصود بهذه الشهادة إقامة الحد ولا يقام عليه إلا حد واحد وإن تعدد فعل الزنى منه.
والدليل عليه أن في حكم الضمان جعلوا كالشاهدين بزنا واحد وأنه لو رجع اثنان من كل فريق لا يضمنون شيئا أيضا ولو لم يجعلوا كذلك لضمنوا لأن الباقي على الشهادة شاهدان أنه زنى بامرأة وشاهدان أنه زنى بامرأة أخرى والحجة لا تتم بهذا فعرفنا أنهم جعلوا كالشاهدين عليه بزنا واحد.
قال ولو شهدوا بذلك ثم رجع خمسة حدوا جميعا فهذا مثله وهذا لأنهم إذا رجعوا جميعا فقد حكمنا في حقهم بأنه محصن مقتول ظلما حتى غرمناهم الدية فيبعد أن يقال لا يقام عليه الحد ومن زعمهم أنه عفيف وأنهم قذفوه بغير حق