فهرس الكتاب
ج / 11 ص -94- آخذ المخلوط وأغرم لصاحبي مثل ما كان له فرضي به صاحبه جاز لأن الحق لهما فإذا تراضيا على شيء صح ذلك في حقهما وإن إبى ذلك أحدهما فإنه يباع المخلوط ويقسم الثمن بينهما على قيمة الحنطة والشعير على التفسير الذي بيناه في الغصب قبل هذا الجواب إنما يستقيم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ورواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله في أن ملك المالك لا ينقطع عن المخلوط بل له الخيار بين الشركة في المخلوط وبين تضمين الخالط فأما على ما هو الظاهر من مذهب أبي حنيفة المخلوط ملك للخالط وحقهما في ذمته فلا يباع ماله في دينهما لما فيه من الحجر عليه وأبو حنيفة لا يرى ذلك والأصح أنه قولهم جميعا لأن ملكهما وإن انقطع عن المخلوط فالحق فيه باق ما لم يصل إلى كل واحد منهما بدل ملكه ولهذا لا يباح للخالط أن ينتفع بالمخلوط قبل أداء الضمان فلبقاء حقهما يكون لهما أن يستوفيا حقهما من المخلوط إما صلحا بالتراضي أو بيعا وقسمة الثمن إذا لم يتراضيا على شيء وإذا كان عند الرجل وديعة دراهم أو دنانير أو شيء من المكيل أو الموزون فأنفق طائفة منهما في حاجته كان ضامنا لما أنفق منها اعتبارا للبعض بالكل ولو لم يصر ضامنا لما بقي منها لأنه في الباقي حافظ للمالك وبما أنفق لم يتعيب الباقي فإن هذا مما لا يضره التبعيض فهو كما لو أودعه وديعتين فأنفق إحداهما لا يكون ضامنا للأخرى فإن جاء بمثل ما أنفق فخلطه بالباقي صار ضامنا لجميعها لأن ما أنفق صار دينا في ذمته وهو لا ينفرد بقضاء الدين بغير محضر من صاحبه فيكون فعله هذا خلطا لما بقي بملك نفسه وذلك موجب للضمان عليه فإن كان حين أنفق بعضها وجاء بمثله فخلط بالباقي أفتى بأنه صار ضامنا لها كلها فباعها ثم جاء رب الوديعة فضمنها إياه وفي الثمن فضل قال يطيب له حصة ما خلطه بها من ماله من الفضل لأنه ربح حصل على ملكه وضمانه ويتصدق بحصة الثاني من الوديعة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وفي قول أبي يوسف رحمه الله لا يتصدق به لأنه بالضمان قد ملكه مستندا إلى وقت وجوب الضمان ولهذا نفذ بيعه فكان هذا ربحا حاصلا على ملكه وضمانه فيطب له كما في حصة ملكه وهما يقولان هذا ربح حصل له بكسب خبيث فإنه ممنوع من بيع الوديعة إما لبقاء ملك المودع كما في الباقي بعد الخلط في إحدى الروايتين أو لبقاء حقه على ما قلنا والربح الحاصل بكسب خبيث سبيله التصدق به ولأن المودع عند البيع يخبر المشتري أنه يبيع ملكه وحقه وهو كاذب في ذلك والكذب في التجارة يوجب الصدقة بدليل حديث قيس بن عروة الكناني قال كنا نتبايع في الأسواق بالأوساق ونسمي أنفسنا السماسرة فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمانا بأحسن الأسماء وقال:"يا معشر التجار إن تجارتكم هذه يحضرها اللغو والكذب فشوبوها بالصدقة". فعملنا بالحديث في إيجاب التصدق بالفضل وهذا إذا كانت الوديعة شيئا يباع فإن كانت دراهم فالدراهم يشتري بها ثم ينظر إن اشترى بها بعينها ونقدها لا يطيب له الفصل أيضا وإن اشترى بها ونقد غيرها أو اشترى بدراهم مطلقة ثم نقدها يطيب له الربح هنا لأن الدراهم لا تتعين بنفس العقد ما لم ينضم إليه التسليم