فهرس الكتاب
ج / 3 ص -9- في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] وللناس كلام في الفرق بين الفقير والمسكين.
فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن الفقير هو الذي لا يسأل والمسكين هو الذي يسأل قال الله تعالى في صفة الفقراء: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] قيل: لا إلحافا ولا غير إلحاف وفي المسكين قال الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] وقد جاء يسأل.
وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أن الفقير هو الذي يسأل ويظهر افتقاره وحاجته إلى الناس قال الله تعالى: {وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38] والمسكين هو الذي به زمانة لا يسأل ولا يعطى له قال الله تعالى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد:16] أي لاصقا بالتراب من الجوع والعرى. فالحاصل أن المذهب عندنا أن المسكين أسوأ حالا من الفقير وعند الشافعي رحمه الله تعالى الفقير أسوأ حالا من المسكين وبين أهل اللغة فيه اختلاف ومن قال بأن المسكين أسوأ حالا قال الفقير الذي يملك شيئا ولكن لا يغنيه قال الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد
والمسكين من لا يملك شيئا ومن قال الفقير أسوأ حالا من المسكين قال المسكين من يملك مالا يغنيه قال الله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] وقال الراجز:
هل لك في أجر عظيم تؤجره تغيث مسكينا كثيرا عسكره
عشر شياه سمعه وبصره
والفقير الذي لا يملك شيئا مشتق من انكسار فقار الظهر والحديث يشهد لهذا وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين"، وفائدة هذا الخلاف إنما تظهر في الوصايا والأوقاف.
أما الزكاة فيجوز صرفها إلى صنف واحد عندنا فلا يظهر هذا الخلاف.والعاملين عليها وهم الذين يستعملهم الإمام على جمع الصدقات ويعطيهم مما يجمعون كفايتهم وكفاية أعوانهم ولا يقدر ذلك بالثمن عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى لأنهم لما فرغوا أنفسهم لعمل الفقراء كانت كفايتهم في مالهم ولهذا يأخذون مع الغنى ولو هلك ما جمعوه قبل أن يأخذوا منه شيئا سقط حقهم كالمضارب إذا هلك مال المضاربة في يده بعد التصرف وكانت الزكاة مجزية عن المؤدين لأنهم نائبون عن الفقراء بالقبض.
وأما المؤلفة قلوبهم فكانوا قوما من رؤساء العرب كأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وكان يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرض الله سهما من الصدقة يؤلفهم به على الإسلام فقيل كانوا قد أسلموا وقيل كانوا وعدوا أن يسلموا.