فهرس الكتاب
ج / 3 ص -56- فإن قيل كيف يجوز ولم ينو القضاء؟
قلنا: لأنه نوى ما هو واجب عليه من الصوم في هذه السنة وهذا ونية القضاء سواء.
فإن تبين أنه صام شوال فعليه قضاء يوم الفطر لأن الصوم فيه لا يجوز عن القضاء وإن تبين أنه صام ذي الحجة فعليه قضاء يوم النحر وأيام التشريق وإن تبين أنه صام شهرا آخر فليس عليه قضاء شيء إلا أن يكون رمضان كاملا وذلك الشهر ناقصا فحينئذ يقضي يوما لإكمال العدة.
قال: وإن صام شهر رمضان تطوعا وهو يعلم به أو لا يعلم فصومه عن شهر رمضان والكلام في هذه المسألة على فصول.
أحدها: أن أصل النية شرط لأداء صوم رمضان إلا على قول زفر رحمه الله تعالى وحجته أن المشروع في زمان رمضان صوم واحد لأن الزمان معيار للصوم ولا يتصور في يوم واحد إلا صوم واحد ومن ضرورة استحقاق الفرض فيه انتفاء غيره فما يتصور منه من الإمساك في هذا اليوم مستحق عليه لصوم الفرض فعلى أي وجه أتى به يقع من الوجه المستحق وهو نظير من وهب النصاب الذي وجبت فيه الزكاة من فقير جاز عن الزكاة وإن لم ينو.
ولنا: حرفان:
أحدهما: أن المستحق عليه فعل هو عبادة والعبادة لا تكون إلا بالإخلاص والعزيمة.
قال صلى الله عليه وسلم:"الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى".
والثاني: أن مع استحقاق الصوم عليه في هذا اليوم بقيت منافعه مملوكة له.
فإن معنى العبادة لا يحصل إلا بفعل يباشره عن اختيار ويصرف إليه ما هو مملوك له وصرف منافعه المملوكة إلى ما هو مستحق عليه على وجه يكون مختارا فيه لا يكون إلا عن قصد وعزيمة وفي مسألة هبة النصاب معنى القصد والعزيمة حصل باختيار المحل ومعنى العزيمة حصل لحاجة المحل ألا ترى أن من وهب لفقير شيئا لا يملك الرجوع فيه لحصول المقصود وهو الثواب؟.
وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله ينكر هذا المذهب لزفر رحمه الله تعالى ويقول المذهب عنده أن صوم جميع الشهر يتأدى بنية واحدة كما هو قول مالك رحمه الله تعالى وحجتهما أن صوم الشهر في معنى عبادة واحدة فإن سببها واحد وهو شهود جزء من الشهر والشروع فيها في وقت واحد والخروج منها كذلك فكان بمنزلة ركعات صلاة واحدة.
ولنا: أن صوم كل يوم عبادة على حدة ألا ترى أن فساد البعض لا يمنع صحة ما بقي وأنه يتخلل بين الأيام زمان لا يقبل الصوم وهو الليل وإن انعدمت الأهلية في بعض الأيام لا يمنع تقرر الأهلية فيما بقي فكانت بمنزلة صلوات مختلفة فيستدعي كل واحد منهما نية على حدة ثم إن أطلق نية الصوم أو نوى النفل فهو صائم عن الفرض عندنا.