فهرس الكتاب
ج / 3 ص -57- وقال الشافعي رحمه الله تعالى إن كان يعلم أن اليوم من رمضان فنوى النفل لم يكن صائما وإن كان لا يعلم جاز صومه عن النفل لأن الخطاب بأداء الفرض لا يتوجه عليه إلا بعد العلم به.
وقال ابن أبي ليلى إن كان يعلم أن اليوم من رمضان جاز صومه عن الفرض وإن كان لا يعلم لم يكن صائما لأن قصده عند عدم العلم كان إلى أداء النفل غير مشروع في هذا اليوم فهو كنية أداء الصوم في الليل وأنه لغو لكونه غير مشروع فيه.
والشافعي رحمه الله تعالى يقول إن صفة الفريضة قربة كأصل الصوم فكما لا يتأدى أصل الصوم إلا بالنية فكذلك الصفة وبانعدام الصفة ينعدم الصوم ضرورة وعلى هذا إذا أطلق النية لا يجوز والوجه الآخر أن بنية النفل صار معرضا عن الفرض لما بينهما من المغايرة فصار كإعراضه بترك النية ولا يجوز أن يصير ناويا للصوم المشروع في هذا الوقت بنية النفل لأنه لو اعتقد في المشروع في هذا الوقت أنه نفل يكفر وعلى هذا لو أطلق النية يجوز لأنه ما صار معرضا بهذه النية.
ولنا: حديث علي وعائشة رضي الله تعالى عنهما أنهما كان يصومان يوم الشك وكانا يقولان لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوما من رمضان وإنما كانا يصومان بنية النفل لإجماعنا على أنه لا يباح صوم يوم الشك بنية الفرض فلولا أن عند التبين يجوز الصوم عن الفرض لم يكن لهذا التحرز منهما معنى ثم هذا صوم عين فيتأدى بمطلق النية كالنفل ومعناه أنه هو المشروع فيه وغيره ليس بمشروع أصلا والمتعين في زمان كالمتعين في مكان فيتناوله اسم الجنس كما يتناوله اسم النوع ومعنى القربة في أصل الصوم يتحقق لبقاء الاختيار للعبد فيه ولا يتحقق في الصفة إذ لا اختيار له فيها فلا يتصور منه إبدال هذا الوصف بوصف آخر في هذا الزمان فيسقط اعتبار نية الصفة ونية النفل لغو بالاتفاق لأن النفل غير مشروع في هذا الوقت والإعراض عن الفرض يكون بنية النفل فإذا لغت نية النفل لم يتحقق الإعراض وهو نظير الحج على قوله وبه يبطل قوله أنه لو اعتقد أنه نفل يكفر.
وعلى هذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في المسافر إذا نوى واجبا آخر في رمضان وقع عن فرض رمضان لأن وجوب الأداء ثابت في حق المسافر حتى لو أدى جاز وإنما يفارق المقيم في الترخص بالفطر فإذا لم يترخص كان هو والمقيم سواء وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول يقع صومه عما نوى لأنه ما ترك الترخص حين قصد صرف منافعه إلى ما هو الأهم وهو ما تقرر دينا في ذمته وهذه الرخصة لدفع الحرج والمشقة عنه فكان من مصالح بدنه وفي هذه النية اعتبار المصلحة أن يصوم أو يفطر فصح منه.
ولأن رمضان في حق المسافر كشعبان في حق المقيم، على معنى أنه مخير بين أن يصوم أو يفطر فإن نوى المسافر النفل ففيه روايتان: عن أبي حنيفة في رواية ابن سماعة عنه يقع