الصفحة 116 من 486

ولم يکن عند هذا الباي من السياسة الا الاقتداء بظاهر سيرة أبيه، حتى في لباسه ولباس رجال الدولة. وغير الزى الذي كان على عهد أخيه، ولم يحرك فكره في شيء من مواقع القياس، ولا في ما تقتضيه الحال، شأن المستضعفين في جمودهم على التقليد المحض. فان أخاه أخا السياسة حمودة باشا، لما تقدم على ابن عمه محمود باى، أتاه الى داره وقال له: «أن الولاية لك وأنت الاحق بها، وضعف بدثك عن مشاق الاسفار هو الذي قدمني، وعلى كل حال، فأنت بمنزلة أبي، أعتضد بك ولا أتهمك في نصح، واذالم تعضيداني آخشي خروج هذا الامر من بيتنا» . و بالغ في اکرامه وتعظيمه، وتبنى أبناءه، وهم أبناء أخته، وأثرهم على أبناء أخيه، وأسند اليهم ظهره، الى غير ذلك من الاخلاق التي تقود القلوب، وتوصل الى الامل المطلوب، مع ما فيه من الاهلية القاضية له بالتقدم، بشهادة ابن عمه.

وهذا، لما تم له ظاهر الامر، غفل عن ابن عمه وأهمله، ورآه مثل صغار البيت، ولم يخصه بمزية ولو قولية، بل أخرجه من دار سكناه، التي هي دار علي باي المعروفة

وي باردو بالدار الکبيرة - وکان حمودة باشا آثار بها آخته، زوج ابن عمه محمود بايي، وکان يانيها کل يوم، صلة للرحم - فانکسر قلب آخته مع بنيها. وليته اذ آخرجها أسكنها بمحل يأويها، بل أخرجها من سعة الى مضيق، وفقدت ما اعتادته من صنوها الشقيق، ورأت حالتها الفظيعة، مقدمة جيش القطيعة، حتى قال عالم الملكية وصدر الفتوي آبو عبد الله محمد الحجوب، منکرا خروج بنت علي باي من دارها: «لو ثار محمود باي کنت اول ثاثر معه بما آقدر عليه» ، اذ لا داعي لذلک الا تقليد آبيه في سكنى الذار، مع ما فعل من تشريد خاصة أخيه وإبعادهم، وإن لم يضر أحدا منهم في نفسه ولا ماله، بل کان ايجا ملهم في الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت